العقل والنقل والممكن والمستحيل

ظلت العلاقة بين العقل والنقل داخل الفكر الإسلامي معظم الأحايين وفي أغلب المناسبات علاقة قائمة على المقابلة بين هذين القطبين ضمن خلفية تاريخية وفكرية لاتخلو من التوظيف الإيديولوجي والتوظيف المضاد مع العطالة المانعة من إعادة النظر والتأسيس التي تولدت في مراحل لاحقة بحيث ظلت النظرة لهذا الموضوع أسيرة المعارف والصراعات والمواقف التي تولدت داخل مراحل نحن الأن أبعد مانكون عن معايشة همومها وجدلياتها وصراعاتها.
ومن الملاحظ أن الموضوع في الأساس لايتسأل عن مشروعية العقل أو النقل وإنما طرح التساؤل داخل المساحات التي تقبل مقولات للعقل تتنافى مع بعض المعارف والمواقف التي تؤسسها القراءات القائمة على النص، أي أن الخلاف في الحقيقة نجده ينحصر في مسائل ومواقف ومواضيع كانت الرؤيا المؤسسة على النص تبدو وكأنها مخالفة للمعقول عند طائفة من المسلمين بحيث لايتم القبول والتسليم بالموقف المتأسس على النص وذلك ليس رفضا لمرادات الشارع وإنما تخطئة للأفهام بحجة عدم مطابقة القراءة للمقاصد.
هذه المقدمة على بساطتها أظن أنها تطرح المسئلة المركزية والممحورة للموضوع كخلاف ينشأ داخل تاريخ الجماعة المنتمية لفكرة ما، عندما تبدو المقولات النظرية لاتجري مع مايبدو أنه مصلحة الجماعة أو بعض أفرادها، فحينها هل يستمر التمسك بتلك المقولات على حساب مايظهر أنه إضرار بمصالح تلك الجماعة أما يستمر التمسك بالمواقف النظرية دون الإعتبار للمترتبات.
وأظن أنه من الأفضل إدراج هذه التساؤلات ضمن الأسيقة الحقيقية لها، وهي: إن القراءات التي قائمة على النص في كثير من الأحيان لم تقم مسافة واضحة بين النص وقراءته بحيث غدا النص هو عين القراءة، وبالتالي يتم التعامل مع كل مخالفة لهذه القراءة على أنها مخالفة للنص في ذاته، وهذه المصادرة تصبح سيف يفتك بكل شكل من أشكال الإختلاف عندما تكون هذه القراءة هي قراءة الفئة الغالبة؟!!!
إن القراءات التي قامت على النص للأن لم تستطع أن تمارس قراءة تزامنية كاملة للنص رغم المأزق الجوهري الذي أوقعتها فيه القراءات البعدية للنص والمقصود أن القراءات التي طبقت على النص كان رهينة المعارف المعاصرة للقاريء ولم تكن هي ذات المعارف التي نشأ وتكون فيها النص بحيث أنها كانت لا تعدو أن تكون ممارسات إسقاطية تحميلية للمعاني داخل النصوص.
إعتماد آليات القياس والمماثلة والفرضيات التي تأسست عليها كمصدر لإستمداد المرادات الشرعية بحيث أنها بجدارة إستطعت أن تحول مساحة واسعة من الظنون والأوهام إلى أحكام شرعية ملزمة مع تغييب الآليات النقدية الكفيلة بكشف هذه الممارسات.
ومن ضمن الفرضيات التي لازالت تحتاج إلى إبراز وكشف فرضية دخول كافة أشكال الحياة داخل التنظير الشرعي بحيث تم توسيع صلاحيات المؤسسة الدينية إلى أفاق سمحت لفصحاء اللغة ان يتكلموا في كل شيء من أمور الدين والحياة والتي تحتاج إلى معارف تخصصية علمية دون قيد أو ضبط ولكن فقط من خلال الإدعاء بإمتلاك زمام اللغة ومفاتيحها؟!!! والمقصود أن العقل البياني لم يقف عند عتباته وحدوده اللغوية إنما تمادى ليتكلم في كافة الظواهر الوجودية والتي لم تكن مرادة للنص بالمقام الأول عند ورودها فيه؟؟!!
مثل هذه المسائل لايزال الحديث عنها من المحارمات، لسيادة العقل البياني الذي يرفض التساؤل حول ماغدا مسلما داخله، رغم أنه لايمثل روح الشريعة ولا حقيقتها. بل نجد أحياناأن الشريعة قامت من أجل نفيه ونقضه، وسأورد بعض النصوص الجديرة بالتأمل (رغم قناعتي التامة أن معظم القراء سيجدون فيها أو سيجدون الوسيلة لإستخلاص المعاني المطابقة لمواقفهم المسبقة):
(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة..) الحوار؟؟!!
(..بل قالوا إنا وجدناآباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) التقليد؟؟!!
(..وأوحي إلي هذا القرءان لإنذركم به ومن بلغ أِئنكم لتشهدون أن مع الله ألهة أخرى..) (..ومانرسل المرسلين إلامبشرين ومنذرين..)الوظيفة؟؟!!
ودون الإنزلاق في شراك القراءة البعدية نرجو الإنتباه إلى مستوى القراءة المطلوب والمولد للمعنى والمانع من التحميل الخارج عن مرادات النص.
وحتى تتوالد المفاهيم واآليات والمناهج الممكنة من التحقيق النوعي لقراءة قادرة على ملامسة روح النصوص فسيظل انفصام الوعي بين العقل والنقل ظاهرة متجذرة لن نستطيع جميعا الفكاك منها.

(1)
1.منذ البداية يجب الإشارة إلى أن التعبير بمصطلح العقل تشوبه الكثير من الإشكاليات المعرفية والمنهجية، ونلحظ في الإستعمال التداولي داخل الأوساط الثقافية نوع من العزوف عن هذه المصطلح إلى مصطلحات أخرى بديلة كالعقلانية والعقلنة وذلك لعدة أسباب:
•إرتبط إستخدام مصطلح العقل في التاريخ بنوع من التمييز والتحديد الماهوي القبلي، فتم الكلام عن جوهر و نوروقوة مدركة وملكة وذات..الخ، الأمر الذي يفترض وجود متحدد ومتميز للعقل؛ الأمر الذي ترفضه التحديدات العلمية المعاصرة للمفهوم حيث تم إقصاء البحث الميتافيزيقي عن مجال التحديد لحساب الصيغة العلمية الوظيفية القابلة للضبط والدراسة والتطوير.
•إرتبط مفهوم العقل –تاريخيا- بجملة من الإشكاليات مثل (هل العقل مفارق أو غير مفارق، هل للمعقولات وجود موضوعي مستقل أم أنها مجرد أسماء...؟) ومثل هذه الإشكاليات لم تعد ذات معني للفكر المعاصر، بل قامت إشكاليات بديلة هي مايشغل العقلانية المعاصرة، وترتبط هذه الإشكاليات بالمجالات المعرفية أكثر من إنشغالها بالحديث عن عقل كوني وإشكالياته.
•العرقية والعصبوية التي تصاحب تقسيم للعقل بحسب القوميات (بحيث كان هناك عقل يوناني وعقل عربي وعقل فارسي..) هذه التحديدات بكل ماتثيره من تعصبات وماتولده من شحنات دفاعية عرقية، جعلت من إستخدام هذا المصطلح يلزمه كثير من التقديم والإشتراط.
•البحث العلمي من مقوماته الأساسية خضوع موضوعه للمقايسة والتحقق والتجريب، وقد قامت مباحث للنظر في التكون المعرفي وتشكل المفاهيم وغير ذلك من المقولات المؤسسة، وإنبنت عليها تقسيمات إجرائية لفعل العقلنة (العقل كاأداة والعقل كمحتوى – العقل السائد والعقل الفاعل والعقل الكوني – العقل بحسب مجال النظر = العقل الرياضي، العقل النقدي، العقل التاريخي، العقل الفقهي...) مما يعني تحول الموضوع من مباحث تأملية إلى مباحث وصفية وتحليلية وتجريبية.
•مايصاحب هذا الوصف من إدراك سكوني لهذا المفهوم بحيث يبدو وكأن العقل معنى منجز، وليس هو معنى ديناميكي حركي هو دائما في طور الإنجاز والتخلق.د
•التطورات العلمية الحاصلة في علم الفسيولوجي والتي تربط أنشطة العقل بإماكن محددة في الدماغ (كالعلاقة مابين الذاكرة وlimbic system ، اللغة وBroca’s area & Wernike’s area ...) مثل هذه الإرتباطات ولدت رؤية علمية مغايرة للموضوع.

2.العقل (والعقلانية) كمصطلح يتضح معناه من خلال جملة من التحديدات، وهي كالتالي:
•العقل في مقابل المخيلة: العقل هنا باعتباره الفاعلية المنتجة للمعارف والمفاهيم المحددة والضابطة للظواهر والمرتبطة بالواقع الموضوعي، في مقابل المخيلة المنتجة للرؤى والمعاني المرتبطة بالنفس وإمتداداتها والمدارك الغير خاضعة للضبط الموضوعي والمملؤة بالذاتية.
•العقلانية في مقابل الدافعية: العقلانية هنا تعني الخلفية المؤسسة للسلوك والمعالجات المبنية على الإنضباط والحياد الموضوعي، في مقابل السلوكية المتحددة بالدوافع والرغبات.
•العقلانية في مقابل التجريبية: وتتحدد هنا العقلانية كمذهب فلسفي بأولوية العقل التحليلي والبرهاني على جميع أشكال التصور والإدراك الإخرى، وتقوم التجريبية كمذهب مقابل على رجوع كافة أشكال الإدراك إلى الحس والتجربة.
ملحوظة: التنظير لكلا الوجهتين مر بقفزات كبيرة ونوعية بحيث لايمكن الحديث عن تجريبية ديمقريطس وتجريبية سكستوس وتجريبية بيكون وتجريبية لوك وهيوم...بنفس اللغة والمفردات ومن داخل نفس المنظور.
•العقل كعمليات (كالتوليف والتجريد والانشطار والإستقطاب..) وفعاليات ومعالجة (كالفصل والعزل والتحديد والقياس والمعايرة...) :أي العقل في ديناميكيته وحركته المولدة والمنتجة للمعارف والرؤى والمناهج والقابلة للضبط والمقاربة العلمية الموضوعية.
•العقل كأدوات ومناهج ومفاهيم: العقل كتشكل بنيوي يمكن دراسة جملة المكونات والبنيات والتي بها يكون قوام الفاعلية والتي هي في الحقيقة مرتبطة بالمجالات المعرفية المتعامل معها.
ويعد التحديدين الأخيرين هما مدار النظرة المعاصرة لمفهوم العقل والعقلانية وهذا المبحثان هما مدار دراسات ومقاربات علمية ذات منحى تكويني وبنيوي لدراسة الأطوار والمراحل والبنيات والمكونات لمثل هذه الفاعليات.
مثل هذه المقابلات تشكل مفهوم مركب ومعقد ومتعدد الأوجه مرتبط بأسيقة التأسيس ومستوى الإيراد، ولذا لن أطيل في بيان تفاصيلها فتفكيك وتحليل مثل هذا التشابك العلائقي لاتسمح به فسحة هذا المكان.

3.نخلص من جملة الملاحظات السالفة إلى إن النظرة التي كانت لدى الفلاسفة عن العقل كمحتوى (قوانين العقل عند أرسطو، الأفكار الفطرية عند ديكارت، صورتا الزمان والمكان والمقولات عند كانط) قد تم تجاوزها والقطيعة معها إلى نظرة جديدة للعقل قوامها النظر إليه بوصفه فاعلية لاغير. لم يعد العقل مجموعة من المباديء الأولية بل هو القدرة على القيام بإجراءات حسب مباديء (متعلقة بالموضوع).

(2)
ماهي الأيديولوجيا؟؟؟
في الإستخدام اليومي: يتشح مفهوم الإيديولوجيا داخل اللغة اليومية (في الصحافة والتلفزيون) بمسحة سلبية أهم مدلولاتها: الإنتقاص، إخفاء الحقيقة، التحيز، الأحكام المسبقة، المصالح الشخصية، إدعاء إمتلاك الحقيقة
في السياسة: إنتهاج سلوك مدروس من قبل الفئات المسيطرة أو الساعية، وذلك بتوظيف بعض التصورات القيمية والقناعات لدى الإنسان كوسيلة لتدعيم مركز قوتها. بحيث أن القيمة النفعية لمثل هذه العقائد الموظفة تطغى على التساؤل عن حقيقة تلك العقائد وصحتها وبذلك تعمل العقائد المذكورة في خدمة منطق الفئة الموظفة (القيمة في مقابل المضمون).
الإيديولوجيا بهذا المعنى لاتقف عند حدود الطعن في مقدرة التمييز بل تتعداها إلى التساؤل حول السلوك اتجاه الحقيقة (فالخصم) هنا لا يتخذ قراراته تحت تأثير الشيء الراهن في حد ذاته بل يتخذها عن وعي تام بوحي من اعتبارات مصالحه الخاصة في الحياة أو مصالح جماعته، أو بتأثير من إلتزام حيوي. وهو يحاول توجيه الأخرين بمقتضى هذه المصالح.
في السوسيولوجي: يتعلق هذا المفهوم بجملة من الإشكاليات:
الوظيفة التاريخية والإجتماعية للمعرفة: هل التوظيف معطى أولي بالمعرفة؟
الموضوعية المقننة للأفكار والمعارف بالوظائف السوسيولوجية: إلى أي مدى يمكن الإلتزام بالموضوعية والحياد؟ وهل هذه الموضوعية موجهة (تتحرك لغاية تقايس بها موضوعيتها) أم هي موضوعية مطلقة فراغية؟
المنظومة العقدية والقيمية للمجتمع وعلاقتها بموضوعية المعارف والأفكار داخل المجتمع: المحددات اللاواعية والمنظومة الإيمانية ويقيناتها والخلفيات المؤسسة ومدى تأثيرها وتحديدها لإمكانية الموضوعية ؟
تقرير الوقائع والأحكام القيمية الخلط والتداخل وآليات توليد الطاقة المحركة للبواعث والدوافع.
اللغة كظاهرة إجتماعية حامية وحاملة لمنظومات التصورات والعقائد (القيمية الكامنة) والآثار التي تتركها على المعرفة
الإيديولوجية الجزئية في مقابل الإيديولوجية الكلية.

في داخل الإيديولوجيا يتخلق نوع من الوعي يتسم بجملة من المواصفات كلها تتعلق ببنية دوغماتية مغلقة، مكتفية بذاتها متعالية على كل الأغيار، أقرب وصف لها أنها (أيديولوجيا النواة الواحدة). وسنتناول هذا الوعي بالمقارنة مع الوعي الذي نعتقده أنه يجب أن يكون البديل وهو الوعي العلمي والذي سنأتي عليه لاحقا.

التأويل.. أسئلة متراكمة

التأويل مفهوم مركزي داخل المنظومة التراثية أو لعله الألية الأساس لإضفاء الوحدة والتجانس على هذه البنية، وبالتالي أي ممارس نقدية لهذا المفهوم ستطول جوانب كثير ومتداخلة داخل أحشاء هذا التراث.
التأويل كمصطلح قرأني أستخدم في الغالب الأعم للدلالة على معنى التفسير وبيان مألات المعنى أي تحققها (ذلك تأويل مالم تسطع عليه صبرا)(وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث)(..ومايعلم تأويله إلا الله ..). وهذا المعنى يحتفظ بالروح الأصلية للغة والتي تقدم التأويل على أنه التعبير والتفسير وبيان صيرورة تحقق الشيء أي مآله.
أما في الإصطلاح الفقهي (شرح المحلى على جمع الجوامع) فيقصد به( التأويلُ حملُ الظاهِرِ على المُحْتمَلِ المرجوحِ)(فإن حُمِلَ عليه لِدَلِيلٍ فَصَحِيحٌ أو لما يُظَنُّ دليلاً وليس بدليل في الواقع ففاسِدٌ أو لا لشيء فلعب لا تأويلٌ).
من الواضح أن هذا التحديد يقوم على مجموعة فرضيات:
- أن المعاني في النص قد تكون متعددة.
- أن المعاني منها ماهو ظاهر ومنها ماهو أقل ظهورا.
- وهذه المعاني ينتقل فيها من الأظهر إلى الظاهر بنوع من الترتيب بحيث يعمل بالأظهر إذا لم يقم موجب الصرف إلى الأقل ظهورا.
- وان موجب الصرف هو الدليل.
- وأن الأدلة منها ماهو دليل على الحقيقة ومنها ماهو ليس كذلك على الحقيقة (دليل متوهم).
- وأن هذا الصرف إذا ماتم لغير دليل فهو لايعدو أن يكون لعبا.
من البين ان مسألة التأويل ليست من النوع الواضح والبسيط بل هي من النوع المركب والمتداخل إنها تطرح إشكالية المعنى وتعدده (ambiguity)، وإشكالية الدليل، وإشكالية الدلالة.. والتي هي في الحقيقة ليست مسألة منحصرة في علم اللغة بل هي أسئلة تتمدد لتطول بنية الوعي بأكمله. فسؤال تعدد المعنى يعيدنا إلى اشكالية الكلمات والألفاظ والصيغ (اللغوية والمنطقية) من حيث تشكلها والتوليف بينها لتوليد المعنى من خلال الدلالات المفردة والإنبنائية. وإشكالية الدليل هي في الحقيقة إشكالية التأسيس داخل العقل (بحيث أنها تطرح تساؤلات حول أنساق واوجه الإستدلال ومفهوم الدليل وحجية الدليل وقوة الدليل ونسبية الدليل..الخ). وفي الحقيقة نجد من خلال التتبع التاريخي بروز هذه المشكلات وظهور محاولات جادة لحلها ولكن كل تلك الحلول كانت إنبناء على ثقافة ووعي الحقبة التي قدمت فيها الحلول والتي تعد الأن في مأزق إذا ماأخضعت للنقد والمقايسة المنهجية للإختلاف في الرؤى والمناظير المؤسسة.
صرف الظاهر إلى الإحتمال المرجوح لدليل هذه القاعدة مفتوحة النهايات لأن هذا الصرف سيتم بناء على مقدمات وخلفيات التعارض الحاصل مابين النص والوعي بحيث يدفع ذلك التعارض إما إلى تعديل الرؤي أو تطويع النص، وفي أغلب الأحيان يكون من الأنسب تطويع النص مع المحافظة على ثوابت البنية القارة والتي تشكلت من خلال عمليات أكثر تداخلا وتظافرا، وهذه في الحقيقة أزمة التأويل المركزية الأولى (وهي أن النص يأول عندما يعارض ماهو أكثر إستقرارا منه، وماهو أكثر إستقرارا ليس واحدا لدى الجميع، مما يترتب عليه أن تتعدد الدلالات للنص لا لشيء إلا لإنشطارات الوعي المتعامل مع النص).
هذه الإشكالية تقودنا مباشرة إلى الإشكاليات الأكثر جوهرية وهي: هل هذه المعالجة في الحقيقة قابلة للضبط المنهجي والموضوعي المحايد بحيث نمنع تفتيت المعنى وتشتيته؟ هل التأويل ضرورة فعلية من أجل إضفاء الوحدة والإنسجام داخل البنية؟ ماهي البنية التي نسعى إلى خلق الوحدة والإنسجام داخلها؟ هل قراءات النص المتعددة هي تجليات للمحتمل داخل النص أما هي تجليات للمحتمل داخل الوعي؟
هذه الأسئلة هي مانحتاج لإجابته من أجل الكشف العلمي لمعنى التأويل برؤية تقيم فصلا منهجيا بين الذاتي والموضوعي (أي تحقق الإنفصال والإتصال معا)!!

الوعي العلمي في مقابلة الوعي الأيديولوجي

تقوم هذه المقارنة على مقاربة تفترض إجرائيا إمكانية الفصل بين الوعي الإيديولوجي والوعي العلمي، وإن كان هذا الأمر له مشروطيات وضوابط مركبة ومعقدة تكشف صعوبته. لكن هذا لن يمنعنا من كشف تجليات الأيديولوجيا واللاعقلانية التي تباطنها من أجل تحرير أكبر مساحة ممكنة من تجليات هذا الوعي.

•الإطلاقية في مقابل النسبية: تتأسس هذه المقابلة على إعتباريات الإكتمال وبالتالي الإنغلاق أي إنتهاء القول داخل الوعي ا لأيديولوجي، بينما تقوم النسبية على إعتبار عدم الإنغلاق أي ضرورة البحث المستمر داخل الوعي العلمي.
•الإستنباط التأملي والإستنتاج النسقي الصوري في مقابل الإستقراء العلمي و التجريب والتحقق: تتجه الفاعلية الذهنية في الأساس داخل الوعي الأيديولوجي إلى مجموعة المقولات النظرية من أجل الكشف عن مدلولاتها وتبيان وصوابيتها وتكاملها وتعبيرها عن الحقيقة النهائية وبالتالي سيكون إشتغالها الأساس وموضوعها المركزي هو النص والإستنباط منه والتأسيس لوحدته ونسقيته بينما تتجه الفاعلية العلمية إلى الواقع الخارجي من أجل فحصه وأكتشافه وصياغته، فلذا نجد أنها تعتمد الوصف من خلال الإستقراء، والتحليل من خلال التجميع البنيوي للحقائق، والتأكد من خلال التجريب والتحقق. .
•التعميم في مقابل التدقيق: تتسم الأحكام في داخل الوعي الأيديولوجي بعموميتها الغير متمحصة، فالأخر على سبيل المثال عند وصفه هو الكفر أو الشر أو..وبالتالي يتوجب...، أما الوعي العلمي فمن ضمن مباحثه إنطباق أحكامه على موضوعاتها وفي حال التعميم فهو مشروط...
•إمتلاك الحقيقة في مقابلة تعدد الحقيقة بتعدد جهات التناول: الوعي الأيديولوجي لإطلاقيته وتعميماته غير الحذرة، يرى في نفسه ممتلك الحقيقة والوصي عليها (من داخل وعي كوني يرى نفسه مسئول على تقديمه بكافة السبل والوسائل)، بينما الوعي العلمي يؤمن بنسبية المعرفة وتعدد مستوياتها، فبالتالي الحقيقة عنده مركبة ومتعددة الأوجه ومتحددة بجهة التناول، مما يحد من غلوائه لصالح التواضع في تقديمها والمنافحة عنها.
•اليقين في مقابل الشك: يقوم الوعي الأيديولوجي على جملة مقولات ونصوص قطعية لاتقبل الشك ولا التساؤل وذلك لقطعية التأسيس أو لقطعية المصدر، وبالتالي كل مايترتب من فاعلية تأسيسا عليها يكون له نفس حكمها. مثل هذه الرؤية تولد الطمأنينة وتشعر أصحابها بامتلاك ناصية الحقيقة والخلاص بشكل متفرد وأحادي. أما العلم فهو ينشأ من داخل الشك والتساؤلات وكل معرفة قابلة للجدل وإعادة البناء وبالتالي لايولد العلم عند أصحابه الشعور بإمتلاك الحقيقة بل في العادة يشعرهم بإبتعاد الحقيقة كلما أقتربوا منها، وهذا من ضروراته تولد القلق والشك المستمر.
•منظومات إيمانية في مقابلة فروض ونظريات وحقائق: الوعي اليديولوجي يتأسس على الإيمان، فهناك دائما مجموعة حقائق بدهية يبدأ منها كل شيء، وهي الأطار المرجعي المشكل للوعي والضابط له، وتكون هذه الحقائق –في العادة - غير قابلة للمسآلة ولاللكشف المنهجي من حيث مصادرها وآلياتها وبناها. بينما نجد الوعي العلمي في المقابل يقوم على مجموعة حقائق دائما في طور المسآلة والبلورة، وقد مرت بجملة مراحل: كفرضيات بالتعاضد تحولت إلى نظريات والتي من خلال التجريب والتحقق ترتقي إلى مستوى الحقائق، والتي لاتستكين ولاتتحول إلى معطيات نهائية في حال قيام معارف قادرة على الأشكال عليها.
•الغائية النفعية في مقابل الحقيقة: إن مطلب الوعي الأيديولوجي تحقيق طموحاته الإيمانية فهو يسعى إلى نشر الحقيقة التي يمتلكها وحده وتعميمها، وبالتالي من اجل نشر هذه الحقيقة (كغاية)، يغدو مبررا السبل التي سيسلكها (فهو إن غزا سمي فاتحا وإن قاتل سمي مجاهدا...). أما الوعي العلمي فهو يسعى للحقيقة والتي لايمتلكها أحد بل هي ملك للجميع ومطلب دائما غير قابل للتحقق إلا بشكل نسبي، فهي بالتالي لن تخلق عند أصحابها دافعية موجهة للسلوك.
•عدم قبول التخلي في مقابل إمكانية التبني/ التراجع: العقائد الأيديولوجية بطبيعتها ذات مدخل واحد وهو الدخول والإنضواء تحتها، أما مخالفتها والخروج عنها فهو أكبر جريمة من الممكن أن تمارس في حق المعتقد، وبالتالي يكون المرتد عن المعتقد هو اكثر الأشخاص لإستهدافا لكافة أشكال ردود الفعل والإنتقام. أما العلم فبطبيعته لا يلزم الأفراد بقدر ماتلزمهم ذواتهم، فالدليل والحقيقة هما أداتا الإلزام، وبالتالي في حال إشكالهم او تخلفهم فإمكانية التراجع موجودة بإستمرار.
•الفوقية (على العلم) في مقابل إنتفاء المرتبية: العلم والعقل تابعان للمنظومة الإيمانية من حيث دلالتهما على الحقيقة، ومن حيث وظيفتهما. فالعلم مثبت ومؤكد لثوابت المنظومة، ومن المستحيل أن يأتي على خلافها وإن حدث ذلك فسيلتمس التأويل للعلم أو للمنظومة، فإن تعذر ذلك، فسترفض الحقيقة العلمية لحساب الحقيقة الإيمانية، بينما الوعي العلمي يؤمن بالمجالات والمستويات والأنساق المعرفية ومشروطيات التحقق المعرفي ومجالات الإنحسار. فبالتالي هو لايفترض مرتبية إلا مرتبية الحجية والإستدلال.
•الثقوية (الثقاتية) في مقابل التمحيص: إن مكانة بعض الأفراد في مسيرة المنظومة العقدية الإيمانية تأخذ منحى رمزي أسطوري، وذلك إما لتمثلهم كافة القيم والمعاني المجسدة للمنظومة او لتضحيتهم من أجلها، وهذا الترميز وهذه الأسطرة تحولهم إلى مصادر إلهام معنوي وحسي دائم، ومن خلالهم يتم تمرير كثير من المقولات الحافة والمدعمة للمقولات الأصلية المؤسسة. اما في الوعي العلمي فمثل هذا الجدل التصاعدي السالب او الموجب فلايوجد إلا بقدر خلق القيم العامة داخل المجتمع أي ليس من صلب العلم ولا من ملحه بل هو دخيل عليه وفي أحيان كثيرة يكون تمظهرا للأيديولوجيا في العلم.
•الإنتقائية/ الإخفاء / التغليف في مقابل الكشف: التعامل مع الأشياء والوقائع والمعارف يتم داخل الوعي الأيديولوجي من داخل تقدير مردوديتها على هذا الوعي، بحيث تنتقى الأشياء والوقائع والمعارف المؤيدة، وتنفى وتخفى الأشياء والوقائع والمعارف المخالفة والمشكلة. أما الوعي العلمي فهو في سعي دائما لإلتماس الموضوعية المحايدة رغم صعوبتها، ولايخشى من كشف الحقيقة إلا بمقدار تدخل الأيديولوجيا في مساراته سواء بإدعاءاتها الأخلاقية أو العقدية.
•الواحدية في مقابل التعدد: يتسم الوعي الأيديولوجي برؤية من اهم صفاتها ثنائية الإتفاق أو النفي، فهو لايرى في الأخرين إلا أنصارا أو مخالفين، وتترتب كافة اشكال التعايش والتواصل بناء على هذه الثنائية، أم الوعي العلمي فهو يقوم على رؤية تتسم بثنائية التعدد ومن ثم القبول بالأخر ورؤيته كما هو.
• الإختزال للأخر في مقابل الإنفتاح على الأخر: التعدد المنفي داخل الوعي الأيديولوجي، لايعطي للأخر مساحة في الوجود إلا كخصم أو كموضوع لنشر الرؤيا الخاصة (الدعوة)، ولايتم إعتبار كافة مستويات التداخل الإنساني وبالتالي في حال رفضه للرؤيا يمر بعمليات معقدة داخل الوعي الأيديولوجي(كالترميز، التدنيس، الإستباحة، الكفاحية)، كلها تعمل على إقصاءه ونفيه. ولكن الوعي العلمي من داخل اجواء التعدد والإختلاف والتي تجعل الأخر كيان معترف بوجوده وبأحقيته في البقاء لاتسمح بنفي الأخر (والذي في نهايته سيغدو نفيا للذات عند الأخر).
•الخطابية في مقابل العلمية: يعتمد الوعي الأيديولوجي في مخاطبة المنتمين إليه على جملة المسلمات القارة والإنتماء والإرتباط النفسي والمتكون من خلال التجربة (فهو خطاب موجه للعواطف ويناشد السلطات المعنوية الشادة للأفراد والتقاليد المتعارف عليهم بينهم)، وبالتالي في توجهه نحو الداخل يبدو التفكك والإهتراء المنطقي والعقلي غير ذا موضوع، لأن الكل لا ولن يحاكموه، وعند مواجهته للأخر نجد أنه يتكلف إرتداء العلمية والموضوعية واإنفتاح كمقومات أساسية في الخطاب رغم كل التجليات الدالة على التناقض والتزوير. في المقابل- منذ البداية- تكون مادة الخطاب العلمي الحقائق العلمية الموجهة للعقل والقائمة على الإستدلال كمصدر السلطة

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005