جو ساكو.. تقارير صحفية ساخرة

العرب اللندنية (24-03-2004)

   عندما بدأ الكاتب الصحفي ورسام الكاريكاتير جو ساكو حياته بكتابة التقارير الصحفية، حاول أن يجد حلاً لمعادلة صعبة، بمزج الساخر بالجاد، برسم صورة للواقع المعاش بشكل رسوم مصورة ساخرة تكشف صورة الواقع السوداء لدرجة الضحك. في كتابه الذي صدر منتصف العام 2003 بعنوان (فلسطين) يجمع جو ساكو السلسلة المعنونة بنفس الاسم والتي ظهرت فصولها الستة خلال الأعوام 1993 وحتى 1997 في العديد من المجلات التي تختص بفن الكاريكاتير. في هذا المجلد الذي جمع فيه ساكو -الفصول الستة وأضاف ثلاث فصول جديدة - تجربته المصورة خلال الرحلة التي قام بها إلى الأراضي المحتلة نهاية العام 1991 ومطلع العام 1992 وذلك قبل توقيع اتفاقيات أوسلو في نهاية العام 1993، خلال الزيارة التي قام بها إلى قطاع غزة والضفة الغربية للإطلاع على حقيقة الواقع الذي شوهته وسائل الإعلام الغربية عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى والتي كانت قد بدأت تصل إلى نهايتها بتوقيع اتفاقيات السلام المؤقتة والتي أثبتت فشلها مع بداية القرن الجديد وهو ما أكده جو ساكو بجمعه لتلك الحلقات التي أعدها قبل عشر سنوات عندما كان يعتقد أن كل مشاهد القتل العشوائي والقمع الإسرائيلي تقترب من نهايتها وهو ما يحس به المطالع للكتاب، حيث أن أول ما يعتمل بالذهن أن الكاتب يتحدث عن أحوال المناطق المحتلة والتي أعيد احتلالها خلال الانتفاضة الحالية وهو ما يؤكد فشل كل المساعي للتصالح مع دولة تتخذ من الإرهاب أساساً لوجودها الحيوي.

  الكتاب يضم العديد من المشاهد التي تقترب من قصص الأطفال المصورة أكثر من كونها فناً ساخراً، الصيغة التي يبني عليها الكاتب أساساً لكتابه هي محاولة تقديم التقرير الصحفي والإخباري الحي والمحايد بطريقة مختلفة عن المعتاد في وسائل الإعلام التي تعودنا تلقي فجائعنا عن طريقها، كما أن استخدام الصورة أو القصة المصورة والتي تسمى بالكوميك (Comic) والتي عادةً ما كانت تستخدم للتعبير عن أبطال أسطوريين أمثال سوبر مان والرجل العنكبوت والوطواط وغيرها، هي طريقة جريئة ومبتكرة للتعبير عن أبطال من نوع آخر، أبطال واقعيين لدرجة الأسطورة، وواقع فاضح في واقعيته لدرجة الخيال، وربما هذه هي المعادلة الصعبة التي حاول جو ساكو وبأسلوب ساخر إيجاد حل لها وهو ما يقوم به منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي عندما بدأ بالتعامل مع الأحداث السياسية والصحفية بشكل الفن المصور، وربما يمكننا أن نطلق عليه صحافة القصة المصورة.

  أحد أهم أجزاء الكتاب هي المقدمة التي أعدها الكاتب الراحل إدوارد سعيد قبل وفاته، المقدمة التي قام بها البروفيسور سعيد عرض خلالها العلاقة بين الساخر والجاد بين المتخيل الخيالي والمتخيل الواقعي من خلال أعمال الرسوم المصورة السياسية والتي لها تراث عريق في الصحافة الغربية، كما ركز على صعوبة الموضوع الذي اختاره جو ساكو للتعامل معه هذه المرة، فالتعامل مع الحالة الفلسطينية من وجهة نظر سعيد من قبل الصحفي للوصول إلى صيغة موضوعية ومحايدة للتعبير عن الواقع البعيد كل البعد عن الموضوعية والمعقولية هو أحد الصعاب إن لم يكن هو الأساس الصعب في عمل الصحفي مع هذه الأزمة.

   يضم الكتاب 285 صفحة من المقطع الكبير ويبدأ برحلة الشخصية المركزية في الكتاب وهو جو ساكو نفسه بنظارته الكبيرة وشفتيه الكبيرتين واللون الأبيض ودرجات اللون الرمادي وبالتفاصيل الدقيقة للرسوم التي تعرض لهذه الرواية المصورة، تبدأ الرحلة في القاهرة بصخبها وأناسها ويعرض لوجهات نظر الشارع العربي للقضية الفلسطينية من خلال نقاشات تدور مع مختلف شرائح المجتمع والذي يقوم الكاتب بالذوبان معهم للوصول إلى عمق القضية. ثم نرحل في فصول الكتاب التسعة والتي تدخل في العمق الفلسطيني ويتعايش مع المعاناة اليومية والمتتابعة للفلسطينيين تحت الاحتلال والاشتباكات ومنع التجول والمظاهرات في عدد من المدن، الخليل، بيت لحم، أريحا رام الله، مخيمات اللاجئين بجبالية، الأنصار، كما يعرض لنقاشات الكاتب مع الفلسطينيين في مسائل متعددة، الانتفاضة، الاحتلال، الحجاب المرأة، الأدب الفلسطيني، وتتابع الرحلة إلى غزة ومن هناك إلى تل أبيب وحيفا ويعرض لوجهة النظر الإسرائيلية في محاولة لفهم الواقع بشكل أوسع بنقاشات ساخرة مع الجيش واليسار الإسرائيلي، وتنتهي الرحلة مجدداً في الضفة الغربية نابلس وجنين. خلال هذه الرحلة الروائية المصورة يحيا الكاتب في بيوت الفلسطينيين العاديين ويعايش صعوبة الحياة اليومية، ليجد نفسه في مظاهرة يتم قمعها من قبل جيش الاحتلال بالرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع ويصيبه الرعب من الموت لكن يحث نفسه على مواصلة الرحلة لأنها ستكون جيدة في تقديم عمل مصور متكامل للعالم.

   تعرض الكتاب ومنذ أن عرضت حلقاته الأولى منتصف التسعينات للعديد من الانتقادات من جهات تحسب على اللوبي الأمريكي الصهيوني واعتبر غير موضوعي على المستوى الصحفي، إلا أنه لاقى نجاحاً كبيراً في أوساط الصحافة الجادة ومجتمع الدوريات المختصة بالرسوم المصورة، وهو ما أدى لأن يفوز الكتاب بجائزة هارفي لأفضل سلسلة رسوم مصورة للعام وهي الجائزة المرادفة للأوسكار في عالم السينما كما أن الكتاب السلسلة منح ساكو مكانة عالمية في الصحافة المصورة وقورن عمله بالعديد من الأعمال الأدبية الروائية الكبيرة.

   جو ساكو ولد العام 1960 بجزيرة مالطا تخرج العام 1981 بدرجة البكالوريوس في الصحافة من جامعة أوريجون بالولايات المتحدة عاد بعدها إلى مالطا ليبدأ عمله كرسام مصور حيث صدرت له سلسلة قصص مصورة رومانسية. عاد إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريجون العام 1985 ليشارك في تحرير وإعداد مجلة رسوم مصورة وحتى نهاية العام 1986. انتقل بعدها للعمل مع دار النشر فانتا جرافيكس بمدينة لوس انجيليس المتخصصة بنشر كتب الرسوم المصورة. بين الأعوام 1988 و1992 تنقل جو ساكو حول العالم للمعايشة عن قرب الأماكن الملتهبة في العالم، نشر مشاهداته في هذه الرحلات في سلسلته المعنونة (ياهوو) (والتي تعني الفظ أو الجلف) ثم ارتحل مع فرقة لموسيقى الروك ليقضي ستة أشهر في مالطا ليعود للارتحال إلى برلين حيث قضى سنتين ومن خلال متابعته لإحداث  الانتفاضة الفلسطينية عبر التلفزيون الألماني قرر أن يمضي شهرين في الأراضي المحتلة للوقوف على واقع الأحداث في اكثر المناطق سخونة في العالم ليضع رحلته في سلسلته (فلسطين) التي ظهرت أولى حلقاتها مطلع العام 1993 وفاز العام 1996 بجائزة الكتاب الأمريكي عن نفس السلسلة. بعدها بدأ العمل على إعداد سلسلة من الحلقات حول الوضع في منطقة البوسنة والهرسك وكوسوفو وظهرت في كتابه (جورازدي المنطقة الآمنة: الحرب في شرق البوسنة) 1999. ومنذ صدور سلسلته المتكاملة (فلسطين) وبمقدمة للكاتب إدوارد سعيد العام 2003 يعمل جو ساكو مع دار النشر فانتاجرافيكس وعدد من الصحف والمجلات الأمريكية على عدد من التقارير الصحفية المصورة ومازالت كتبه تلاقي العديد من النقاشات في الأوساط الصحفية والفنية. مؤخراً صدر له كتابه الثالث (مذكرات مهزوم) والذي جمع فيه جو ساكو مجموعة من القصص والروايات القصيرة والتي أعدها في السنوات العشر الأخيرة ونشرت في العديد من الدوريات وتركز على مسألة الحرب وعلى الأخص الحرب الأمريكية والبريطانية الأخيرة على العراق وبعض القصص المتفرقة.

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005