الدين...إشارات و تلميحات


الدين كمفهوم متشكل داخل الوعي والتاريخ يعد موضوعا حيويا يستحق الإثارة ومن ثم التساؤل حوله، من أجل التعرف الوصفي أولا للهيكل المشكل له، وللكشف عن عناصره التي تأتلف في علاقات تعكس ممكنات الوعي كما الوجود ،...وللتعرف كذلك على الوظائف التي قام بها كجزء من طبيعته أو كموضوع للصراع أو كطرف في الصراعات الحاصلة داخل تاريخ الجماعة المنتمية له، للوصول إلى طرح العلاقة بين البنية والوظيفة من أجل التعرف على التحولات والإنزياحات التي تحدث داخله من أجل المحافظة على حيويته وفاعليته كعنصر ضابط وضاغط للوعي، وكموضوع للتوظيف والتوظيف المضاد ..
ولكن مثل هذه المقاربة تحتاج إلى كثير من الجهود والوقت والاعدادات التي تحيل امكانية تكفل أفراد بها، ولكن قد يكون بإمكان الأفراد وضع تخطيطات أولية، وتنبيه الوعي لحيوية وأهمية مثل هذا المشروع وضرورته، وهذا مانأمل أن نشارك في تكوينه وتشكيله..

يهمني هنا البدء ببعض الملاحظات المنهجية التي تساعد على الفهم وتوضيح الرؤيا وممكنات الطرح بحيث يتم الانطلاق منها لمناقشة بعض التقعيدات والخلفيات الرئيسية التي تجعل من هذا الطموح ممكنا على مستوى الوعي والوجود:

1. لا أظن أن هذا المشروع قابل للتحقق من داخل المنظور الديني بالشكل التقليدي، فالمسبقات التي تملأه تحول دون الوصول للحد الأدنى من التجرد عند الطرح و العمق المطلوب عند التساؤل و التحقق المطلوب عند الإجابة، إذا مانرى مناسبته هو قراءة تحمل قدر كافي من المخارجة والإنفصال بحيث تضمن الخروج من التبني والسجالية عند التقديم والطرح والمناقشة.

2. المجالات العلمية البديلة التي تحوي في داخلها ووعود جادة بالحيادية والموضوعية هي السسيولوجي والإنثربولوجي والسيمانطيقيا، فكل هذه العلوم تتسم بالتطبيقية والتطور بالقدر الذي يسمح باستخدام اجهزتها وأدوتها المفاهيمية من أجل إحداث مقاربات ومقارنات وصفية وتحليلية تكشف الكثير مما ظل غائب ومغيبا تحت ضغط المسبقات المعرفية والإيمانية الموجهة والكابحة لنشاط العقل وممارسته المنفتحة على الأفق المجهول للحقيقة بكل مفاجأتها وفظائعها على الوعي..
3. توظيف المفاهيم (الأدوات) المستوردة أو المنتمية الى هذه الحقول في قراءة التجربة التاريخية بكليتها بستلزم اخضاع هذه المفاهيم لمعالجات تؤهلها لممارسة الدور المناط بها بأكبر قدر من الكفاءة والموضوعية، وذلك بالانفتاح على الموضوع من أجل استكشاف احتياجاته الأداتية سواءا التفكيكية أوالتركيبية، سعيا للمحافظة على تماسك المعنى وواقعيته.
4. ليست هناك حيادية في المطلق، بل دائما هناك انحيازات وتحيزات، ولو بادعاء أنها لجانب الحقيقة، فلابد من إشهار وإعلان كل الإنحيازات الموجهة للقراءة والضاغطة عليها، بحيث يتم مراقبة اشتغالها والحد من تأثيراتها وتداعياتها.
5. العلاقة بين الدال والمدلول، غاية في التعقيد والتحول، بحيث لابد من الوعي بمستوى الثبات المفترض للتنظير المقدم، والأفاق الإحتمالية للإختلاف والتغير، لكي لا تتحول المقاربة إلى وثنية مفاهيمية، تدافع عن نتائجها ومستخلصاتها المؤقتة والظرفية والمنفتحة على قراءات بديلة أكثر إدراكا واستيعابا للمعنى المسمى حقيقة -والتي هي في جوهرها كشوف العقل التي تقترب من الإدراك المطابق بدون أن تحلم أن تحققه.
6. الفهم هو الفاعلية المنتجة للمعنى والتي تنقل العالم إلينا من خلال معالجته وفقا لمثيراته المحركة لمكافأت الترميز والتحليل والربط، وبالتالي تظل المسافة قائمة بين مافي الأذهان ومافي الوجود، ولابد للفهم من أن يظل منفتحا على موضوعه من أجل تجديد نفسه وفقا لمستجدات الموضوع المتكونة من خلال تفاعلاته وارتباطاته الداخلية والخارجية (الإنفتاح على التحولات والإنزياحات في العناصر وعلاقاتها)
7. الدين ظاهرة انسانية اجتماعية عامة، وبالتالي من أجل تكوين فهم أقرب للموضوعية حوله لا بد أن تكون المقاربات منصفة في وصف وتصنيف وتحليل التجارب الدينية المختلفة –يتم التعامل بتحيز كبير لصالح الديانات الكبرى وبنوع من المفاضلة التي تحرم الديانات الأخرى من حقها في الاستكشاف والبلورة-، أو تحديد مجال وحقل الإشتغال بشكل أكثر دقة، مثلا الاقتصار على ديانات الوحي الكبرى.
8. المعقولية المطلوبة لفهم الأديان واستيعابها لابد لها من أن تتحرر من النمطية والمعيارية، أي أنها من المفترض أن تبحث عن فيزياء موضوعها من داخله، ومباحث الإتساق المرتبة لعلاقته وعناصره لابد أن تتحرر من المسبقات القيمية للمقارب. ومحاولة المقارنة بين الأديان لابد لها من أن تتحرر من محاولة تصنيف الأديان وترتيبها بشكل تفاضلي تطوري معياري.
9. الأسطوري الملحمي والرمزي التجريدي من المكونات الرئيسية لخطاب الأديان، باعتباره خطاب تأثير وتوجيه، يخاطب كلانية الإنسان وقواه المتنوعة المستندة على العقل بمعنى الوزن والمعايرة أو بمعنى التخيل والإستنباط، فبالتالي لابد من الإعتناء الشديد بهذه المركبات واعطاءها حقها من التمحيص والنظر للوصول لإدراك وفهم أقرب للمنهجية وطبيعة الإنسان
10. قضية اثبات الأديان ليست من القضايا الرياضية التي يسهل فهم أوجه الإستدلال فيها ولا كيفيات الإقتناع بها، فلابد لدارس ظاهرة الإيمان والدين من التحلي بقدر كبير من الانفتاح على أوجه المعنى والاقتناع عند الإنسان بدون استخفاف أو استهتار بالأشكال المختلفة للدليل والمدلول.
12. الدين كظاهرة انسانية اجتماعية وبذات الوقت فردية شخصية، تحمل كثير من التقاطعات والتداخلات بين هذه المحاور، بحيث لايمكن التعامل معها مفصولة عن بعضها بدون احداث احراج حقيقي لتناسقها ووحدتها العضوية.
التداخل الشديد والمعقد بين السلوكيات والقيم الإجتماعية والدين، يجعل من الدين في أحيان كثيرة محدد هوية لايمكن الانفكاك من تأثيراته، لانغراسه في قلب الاجتماعي وتأسس كثير من أشكال التعبير الاجتماعي عليه، وفي ذات الوقت يشكل الدين جزء من شخصية الانسان كنتاج لعملية التكوين الاجتماعي وعمليات التشريط المتبادل بين الأفراد في المجتمع.

الدين منظومة عقدية/ نظرية في التفسير:


1. أحد الملامح الواضحة لمفهوم الدين داخل الوعي الجمعي هو النظر اليه باعتباره حاوي لمقومات نظرية في التفسير مقدمة لجماع الحقائق حول أصل الكون والحياة... والتي بامكانها تفسير مايجري في هذا الكون من أحداث، بحيث تقدم الإجابات المستندة على النصوص الدينية كبديل جاد للمحاولات الأخرى والبديلة والتي تقدم تحت إطار العلم أو الفلسفة.  
2. لهذا كان مطروحا العصور على تبني مواقف تأخذ تنوع الطيف، لما فيها من تنوع وتعدد، بين رافض للدين كحاكم على المعارف الوجودية وبين المسلم بمرجعياته المتعالية على كل المجهودات البشرية المنضوية تحت العلم أو الفلسفة لايهم.
3. كون الدين مرجعية أولى حاكمة عند معتنقيه مسلمة لاتقبل الجدل، فالمواضيع التي تطرقت أليها النصوص المقدسة وتكلمت عن بعض الحقائق حولها تم اعتبار تلك الإشارات العارضة والموجهة إجابة نهائية ومقدسة للأسئلة المنطرحة حول هذه المواضيع، مع رفض المداولة والمناقشة حول هذا القضايا إذا لا كلمة تعلو على كلمة الله!!.
4. في الحقيقة الأزمة تأخذ منحاها الأشد حول قضايا بأعيانها، كأصل الحياة، والكون، والجنس البشري، والنفس البشرية، ومركبات الإنسان (النفس-الروح-الجسد-القلب...)، هذه القضايا تم التعرض لها داخل النصوص المقدسة، وبالتالي أصبح هذا التناول ومابني عليه يقدم على أنه الرؤية المقدسة أو الطرح المتعالي والذي لايصح الإشكال عليه أو معارضته بأي نموذج أخر حتى ولو قامت المعطيات الموجبة لهذه التساؤلات والمراجعات.
5. بناء علي هذا الطرح تشكلت مسائل كثيرة داخل الوعي التاريخي للجماعة المنتسبة للإسلام، وكان من أبرازها ثنائية العقل والنقل، والتي تجد لها روافد كثيرة ممتدة لقضايا عديدة ولكن هذه الرؤية كانت أحد المرتكزات الأساس لتناول ومعالجة هذه المسئلة سعيا للوصول إلى تناول يصيغ العلاقة بين هذين القطبين الذين كانا يتخصمان وبشدة فوق ساحات الوعي المتعددة للعقل السجالي.
6. إن كان هناك من تكلم عن العقل كمرجع للنقل فإن هذا في حقيقته لن يقدم أو يؤخر شيئا في حيثيات هذه المسئلة من الجهة التي نتناولها بها، إذ أن المسئلة لم تصل من حيث جذريتها للتساؤل حول وظيفة الدين وهل من مهامه القيام بالإجابة عن هذه الأسئلة بشكل تعارض به كل مقاربة أخرى للموضوع لاتنطلق من داخل نفس الأفق ولاتصل إلى ذات النتائج!!!!؟؟؟
7. مع الثورة العلمية الحديثة فقد إزدادت حدة الأزمة وبلغت حدود غاية في التعقيد، وذلك لتطور العلوم الإنسانيةوالتنظيم الكبير الذي طال مختلف مناحيها، بحيث لم تعد القراءات للنص الديني بقادرة على الصمود أمام تماسك الخطاب العلمي وتقنيته وحرفيته العالية، الأمر الذي وضع العقل المتدين في كثير من الأحيان في مفترق طرق... وخصوصا أن هذه المسئلة ظلت الحركة داخلها تأخذ الطابع السجالي الذي يحاول الدفاع عن المفاهيم المتشكلة داخل التاريخ وفي ذات الوقت يحاول البرهنة على قابليته للتطور ومسايرة المستجدات..
8. نرى من المجدي هنا طرح جملة من الأسئلة قد تجعل من الممكن البدء في تكوين رؤيا أعمق للأزمة العالقة وإيجاد افاق جديد للحلول المتعلقة بمواضيعها.
9. هل كان صاحب التجربة النواة يقدم نفسه والرسالة التي تكفل بالمنافحة والدفاع عنها بهذا الشكل؟
وهل من وظيفة هذه الرسالة تقديم رؤية تفسيرية لقضايا الوجود؟
وهل القضايا العلمية والفلسفية التي تم طرحها داخل جسد النص الديني كانت قضايا أصلية أي مطروحة من حيث هي مسائل تفسير ومعرفة أم كان الطرح تابعا لسياق أخر بحيث كانت هذه القضايا خادمة وموضحة؟
وهل اللغة التي تم تناول هذه القضايا بها هي اللغة الحرفية التقنية والتي تحد من امكانية الاختلاف حول مقاصد صاحب النص ومراداته من هذه القضايا أم انها اللغة البلاغية المعهودة والتي كانت تغص بالتشبيهات والمحسنات والبديعيات، وبالتالي كانت لغة تأثير لا لغة تأسيس؟
وهل كان الجمهور المخاطب في ذلك الحين قادر أو راغب في التعامل مع هذه القضايا من حيث هي معارف؟ أم أن سياق الإيراد اعتمد على معهود تلك العقول اللغوي والمفاهيمي وذلك من أجل محاجاتها واقناعها؟

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005