انزياح النص وقوانين السرد

بقلم / رامز النويصري

صحيفة الجماهيرية 2/1/2002

لا يحاول القاص/ غازي القبلاوي، الدخول بنا مباشرة إلى الحدث، إنه لا يحب المفاجأة والمخاتلة، إنه يحب الإعداد على مهل.. ولعلنا نعيد هذا إلى تخصصه الأكاديمي، الذي يتطلب منه الأخذ بكل الظواهر، ولوجاً للبواطن، فهي المفتاح الوحيد للكشف، إنه يؤثث بعناية للنص، مانحاً إيّاه كل أشكال الرّفاه. 

وعلى هذا التأسيس، يغيب الإبهار، وتبد واضحة لغة الرصد والتداعي، والوقوف عند الحدث تفصيلاً، مما يمكن النص من التمتع بأكبر قدر من الاهتمام (إلى متى؟*)، وإن أخذنا هذا على حداثة التجربة، فإننا نقف على جدية حقيقة في التعامل مع النص قرباً أكثر من داخله والتواصل معه، وحال القبض على موضوعته التي يريد.. يبدأ القاص من النقطة التي يريد، إنه هنا يستخدم سلطته في التعامل مع النص.. وهو بذا يستلم أمور النص كاملة، يديرها كما يشاء، على إيقاع الرصد، حتى وإن كان راوياً.. وهو حتى وإن التقط نماذجه من اليومي وبملامسة مباشرة، فبمثل هكذا تأثيث وهكذا سلطة، يتغير شكل الواقع إلى حلم أو ما يشبه الحكاية العظيمة أو لنقل الأسطورة.. فـ(غازي) لا يعول حقيقة على الواقع أو لنقل أنه لا يحاول أن ينسج نصه على نمط الواقع (موازاة)، إنه يختار الصياغة التي يألفها، الصياغة التي تمكنه من حرية تفصيلٍ أكثر، وإلغاء أكثر للشخوص وتحديدهم، لذا فإنه يضفي على النص الكثير من الضبابية، وهي ليست الضبابية الحاجبة إنها الضبابية التشكيلية التي تنزع إلى مواراة الواقع لإمكان ظهور الأشياء التي يريد (بدون جدوى*).. لذا فإنا نراه يؤثث بعناية فائقة لفواتح أو مداخل قصصه، فمن البناء على الأفعال الماضية إلى الاستهلال القصصي الرصين بجمل المبتدأ والخبر، حتى إنه في نصه الأقرب جداً للبوح العاطفي كان تأثيثه هو السائد (ثلاث رسائل إلى أسطورة*)..

فهل تراها حقاً الأسطورة..؟ أم هو الطموح لكتابة نص إنساني..؟

قلنا ضبابية، وتأثيث، ونمط خاص، وسلطة خاصة.. ولو جمعنا كل هذا لعادت بنا القصة إلى الحكّاء الأول الذي كان في قومه يجيد الحكاية فينصت له الجميع دون مقاطعة، فهو الوحيد القادر على الإتيان بالغول، والعروس الأرجوانية، والفارس الفضي، والسحب التي تظلل السيارة.. إنه الوحيد القادر على صوغ الخوارق، في حكاية واحدة هي "الخير والشر".

"غازي" يحاول أن يصوغ حكايته هو، فيستعين لها بكل ما يريد هو لا هي، فيأخذ قصة (أهل الكهف*)، ويشكلها كما يريد، فيبدأ بصوغ الحدث وبتحديد عدد الفتية وكلبهم، وإسقاط صفة النبوءة أو الرسالة عنهم، يختار لكل منهم وقت وحالة نهوضه، ويخفي عن قصد كلبهم حتى يقدمه لنا في النهاية، خائناً وعبداً للقمته.. إنه يعاود صياغة القصة برمتها.. وإمعاناً في مسيرته، يجتهد في لغته، واقترابها من لغة الحكّاء الذي يعجبه الإنصات فيستمر في سرده، منتقياً الكلمات التي يحكي بها بعناية، عازفاً على وقع الجمل وغناها بالحيوية والإيلاف (من الألفة)، مانحاً إياها كل ما تريد، شاداً آذانهم بكل ما أوتي من قدره على  تضمين حكايته المفردات الواصفة، والواقفة للحالة، الراصدة لها، وإن كانت ثقيلة الوقع، عازفاً على وقعها دلالة لإثارة ذهن المتلقي..

والمتلقي هنا، ليس كل الجمع الذي ينصت الآن، إنه الفرد المستقل في كل المجموع، إنه يوجه حكايته لكل فرد، فالغلبة العقلية، هنا تبدو واضحة في توجيه النص، عن كل ما حواليه باتجاه المتلقي، إنه بهذا يصنع جسراً خاصة بينه وبين المتلقي، ولعلنا نفهم الآن أو ندرك السبب الحقيقي لانفصال الكاتب عن نصه، أو انفصال ذاته عن متن قصته، حتى وإن كان هو المتن ذاته.. فهو مشغول بترتيب العلاقات المضطربة وصياغتها، لإيجاد حالة من التوافق أو الاتفاق، تتفق فيها الأطراف.. في صورة تنزاح ناحية المثال أو الاكتمال.. وهذا يعدنا بنص أكثر جدية وتنوعاً.

إن "غازي" يعترف بالأسباب.. فينزاح ناحيتها معللاً، ومؤيداً لها، ويظل يبحث فيها عن إجابة تكون لائقة، لذا فإن التوازن أو المعادلة ثنائية الحد هي الدلال الرياضي الأقرب من نصه، وهو الذي تطمح له المعاناة قصد اتزان تظفر فيه بالسكينة، وأقول معاناة لأني لا اتفق ورأي الصديق الشاعر/ خالد درويش1، الذي عنون المجموعة بالألم والمرارة، لأن هذا إقرار بوضع لا يقبله النص، فيفرض صورته المقابلة للواقع في موازاة تخلق فيها ما تريد، وهنا ما يريده القاص.. الذي وكما قلنا يصنع الحدث كما يريد هو، فلا يحتفي بالمكان حضوراً أو بناءاً، أو بالزمان تاريخاً وعمقاً، إنه يهتم أكثر بموجوداته التي تخدمه، فيحتفي بالباب، والشباك، الغرفة، والحالات من جلوس ومشي وهروب،، وكأن هذا (النثر الميدني)3 يبحث عن مدينة حقيقية، أكثر حضوراً وتفاعلاً فتستطيع أن تفرض طقسها ومعاملتها واسمها وشوارعها الغائبة في النص.. أو أن تفرض تاريخها هي.. لذا فإن القاص هنا يركب أدواته ويشغلها لوحده، في مواجهة الأزمة التي توجد المعاناة..

وإن النص الذي نقرأه أمامنا من خلال هذه المجموعة (إلى متى؟)، هو نص تواصل مع الواقع في عمومه، وهو أيضاَ اتصال بالتجربة القصصية في ليبيا، التي عادت لمزاولة نشاطها منذ مطلع الـ90، لكنها ظلت تنشد مكاناً آخر ربما كان هذا بتأثيث أقل، وهذا ما يقدمه النص القصصي في ليبيا حقيقة من وقوعه تحت سلطة القاص وحده.

 هوامش:

* عناوين قصص من مجموعة القاص (إلى متى؟)

    1.     خالد درويش.. الألم في قصص غازي القبلاوي.. مجلة (أفـق)، السنة الثانية العدد:17، 1/2002.

    2.     نثر المدينة، قراءات في القصة الليبية القصيرة.. منصور أبوشناف.. مجلة (الفصول الأربعة)، السنة:23، العدد:25، 4/2001

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005