ســــــــــــــراب
رؤية: عادل عزيز
وغازي القبلاوي
بدأت يناير 2003... لن تكتمل بعد...
نفض كل
الغبار عن كاهله، حاول مداراة البقع الكثيرة والمتناثرة على ملابسه، تجهز
للخروج...لم يوهن من عزمه كثرة الخيبات، كان يسكن الأمل،
يتغذى بالحلم، وينام على
الأمنيات السعيدة.... كانت النعمة التى يمتلكها وكان يردد
بينه وبين نفسه (هذه هي
النعمة التي لو علمها الحمقى أقصد الملوك لقاتلوني عليها
بالسيف!!!) ..كان مطمئنا
مرتاح البال أو هكذا يظن....
في أول الشارع
وقف عند الإسكافي ليأخذ حذائه، ثم وقف عند عربة بائع الفول
ليشتري منه ما يسد به
رمقه...كانت الدينارات القليلة في جيبه تشعره بالأمان...
وبدون أي سابق إنذار وقعت عيناه عليها..!!
لم يستطيع
أن يمنع نفسه من التمعن في تفاصيلها، وبكل تواضعه المعهود
لحق بها ورأها وهي تركب
السيارة الفاخرة... تعثر بظله، بقيته التي علقت بها لم
تمنحه سوى
أن يستمر في السير وطيف تلك المجهولة يلاحق ذرات خلاياه،
أحس أنه يعرفها ولكن أين
ومتى كان ذلك.. في حياته السابقة لم يكن يلقي مثل هذه
الأسئلة فقد اعتاد أن يمضي
دون ان يلتفت ورائه، يمضي حيث يجب أن يتابع الطريق.. لم
يعبأ يوماً بكلام الأصدقاء
من حوله، يجلس مثل صخرة يشاهد ما يحدث أمامه، يلقي عليه هذا
أو ذاك قصته مع هذه أو
تلك، يهز كتفيه، يزم شفتيه ويتمتم بخفوت "تفاهة..!". كان
الجميع يسيرون في طرق أخرى
تبدو له مهلكة أو أقل ما يقال عنها، أنها غير واقعية، لكن
في ذلك اليوم الذي تعثر
بظله، تعثر بقلبه...لم يكن سقوطه ذاك كأي سقوط، إنه العبث
الذي يكتنف كل الأشياء،
كانت التناقضات تملأ التفاصيل...
أصبح في خانة المهزوء عليهم - من وجهة نظره هو
على الأقل- وعاش هذه الحالة بكل تناقضاته...لم يكن يملك من
أمر قلبه شيء، كان
يتأنق لها كل صباح، ينتظرها في ناصية الشارع، كما يفعل
الشبان الذين يصغرونه بعشرات
السنين. كان عقله قد توارى ولا يسمع صوته، فمن
يستمع إلى هذا المارق عن سلطات القلب...
في اليوم
الأخير قبل المائة الثانية من الحلم
استفاق في فراشه، أحس بشيء كان يخنقه ويكبت أنفاسه، أشعل
النور فرك وجهه عله يطرد
ما علق به من بقية الحلم/الكابوس.. وقف أمام النافذة، مطر
يخضب وجه الأرض،
تساقطت مع القطرات صورتها المبللة بالبياض وآخر الفجر،
دائماً يلاحقه ذلك الإحساس
بالفقد بأنه أضاع شيئاً وأنه لا يستطيع أن يجده.. قائماً
ذاك الصباح الذي ضاع، قبل
المائة الأولى من الحلم، عرف مكانها استنجد بما تبقى من
عنفوان الشمس التي تجهد
للخروج من وراء الغيوم الكالحة، ألقى كلماته للفجر "صباحك
سكر" ومضى تتلقفه الطرقات
نحو ما أعتاده كل يوم... عاودته بقايا ذلك الكابوس، لم يدرك
كنهه بالتفصيل، ولكن
أحس بالضيق الذي كتم أنفاسه، حاول تمزيق شروده بقهوة شديدة
المرارة، ولكنها لم
تكن أكثر مرارة من أحاسيسه... نشر عنفوانه محاولا ترقيع
بقاياه،
ولكن ما من جدوى فقد تمردت عليه سواكنه.
***
في صباح
الولادة ذاك، وقفت بالقرب من الباب، طفلة تذهب لأول يوم للمدرسة، وقفت
تبحث عن رفيق عن أحد يضمها إلى المقعد، لمحها، عاد الحلم في
ثانيته الأولى للسقوط
عليه، صاحت روحه، إنها هي مرة أخرى، بشرة شفافة من غيوم
الربيع، كستناء معرش على
كتفيها، نظرة الطفولة تذيب ثلج الليل البارد، إنها هي، مر
اليوم الأول من التكون،
استراح لبقية اليوم، غداً سيقترب أكثر، وأكثر قرباً ستكون..
طفولتها التي أحس
بها كانت نابتة في تجويفه لم يدرك كنهها، وبكل عجائبية
الأقدار وفي لحظة الإقفال
لما كان يظنه باب الأمل تفتحت أبواب أخرى...
تمتم في داخله أنها هي، همس لنفسه "يا إلهي" وبكل حيرته تلك
لامس خدها الندي، إلتفتت إليه وإبتسمت...
حينها أحس بالفرق، فلأول مرة تنشد تلك الأوتار التي لطالما
شهدت الإرتهال، إنها
الفجر الآتي وليست ذلك الغابر...كان مجرد التفكير في
الاقتراب منها يمنحه إحساساً بالضياع، بالانتفاء، مجرد أن
يفكر أن يتمنى لها صباحاً
جميلاً يحيله إلى عوالمه الكابوسية المكفهرة، لكنه في ذلك
اليوم، بعد الولادة بعشرة
أيام منحها ابتسامة ونظرة نضرة، وقال لها "صباح الخير" ردت
وهي تشع بياضاً "صباحك
صفاء".. اتخذا طريقهما تجاه الغابة كأنهما كأنين توأمين
بعثا في الجنة من جديد
لإكمال المسير "لقد انتظرتكِ طويلاً"، ردت بعنفوان الياسمين
الندي، "وأنا كنت في
الموعد".. اسرع الوقت بالعدو التفتت وانسابت للرحيل، رد وهو
يلامس أناملها الرقيقة
ويتابع ارتعاشة في وجنتيها " أراكِ" قالت "أراكَ".. في
البعيد لاح ظلها، خرجت صرخته
تلحقها لعنتها..
هرولت في داخله كل الأمنيات، تجرد من خوفه وهواجسه قرر أن
يصرخ.
لم تكن كل الدوائر المرتسمة حول
عينيه، ولا الترهل الذي زين جسده، بكافيا لإدراكه بالتغيرات
التي شملت عالمه....
لم يعد أي شيء ذا بال عنده... أصبح يسافر في عوالم الذهول
والغيبة، تلاشت كل
الثوابت في عالمه، ولم تكن وحدها كافية لتعوض كل شيء، فكيف
إذا فقد التواصل... ذلك
الناحل المترهل هو ماتبقى من وجود الأمس الحالم...فهل تراه
يستفيق؟!!
***
أتراه
الحلم يستطيع أن يعتصر الخيال
خشن كان ذاك الواقع
وعادية هي الحياة من بعدها
دمار العقل أحال زمانه وزمانها إلى رفات
رماد متوقد
عند حافة الجبل
سيزيف الذي تحرر من صخرته
ينفخ في
بقاياه المحترقة
عل النار تشتعل في الرماد
لكنه أبى أن يبقى في السر
السر الذي
أنتهى أجله
وأصبح الجميع يعرفه
غادر المكان مكانه
وبقى
الزمان يعيد الحكاية
من البداية
تحت تلك الشجرة
على الكرسي الحجري
ما زالت كلماته التي نحتها على الطلاء الكابي
"للذكرى
الخالدة"
لكنها
لم تقرأها
وهو عاد
إلى الجبل ليواصل
عمله اللا مجدي
ولحقته اللعنة
ألا
علي اللعنة
إنه موت أخير
يأذن للروح بأن لا تنفلت
ويعد الجسد بالضمور
وللغد بقية أخرى من رماد وصخر
***
تجلس ها هي
على الكرسي الدائري، اقترب، توقف قبالتها، كانت تدور فوق الكرسي، طفلة
الماضي الياسميني، أجهشت الكلمات ببكاء العتق، أنطلقت
الكلمات مبتورة الأعضاء،
مفقوءة العيون، شبه خرساء "كل العام وأنتِ بخير".
غادر ورائه الكرسي يدور حول
محوره، لكنها لم تكن تجلس عليه..
لم تكف
الأضواء عن الدوران، أشاح بوجهه عن ذلك الوجه القميء الذي رأه في المرآة،
أثلج صدره ما سمعه من كلمات حول جمالها وحسنها، رتب الباقي
من خصلات شعره، ونطق كما
لم يتكلم من قبل، ملأه الفرح، لقد حلت عقدة من لسانه، فهل
ستحل باقي عقد
جسده !!
ظل تلك
الليلة يؤرقه الفراش، شيء ما يوخزه على السرير، بحث عنه، دون جدوى، وجد
طريقه إلى النافذة، يصطدم بجدار الظلام، بقية النجوم في
السماء، بعد أن تقاطرت ديمة
سكوب في بداية الليل.. هناك كان نور في أحد المنازل يتماهي
إلى نفسه، أنورها ذاك،
أم أنني اصبحت سقيماً، إذن فالآفل مع الآفلين، أمام السرير
وجد الأرق يبتسم، أبتسم،
سدد لكمة في الهواء، والصرخة تبني لنفسها قبراً من الطين
تنتظر الفجيعة التي قد
تولد مع الفجر..
هدوء
الليل لم يكن كافيا ليجلب له النوم وسط ذلك الضجيج الذي كان يملأ رأسه، لم
يجد
سبيلا للتمييز بين الحقائق والأقاويل بين المعالم والأطلال
وبين الصور والظلال،
تبدأ تلك الدوامة بهمهمات وترتفع رويدا رويدا لتصم أذناه،
كانت في البداية يصحبها
إحساسه بأن كل الأشياء تدور من حوله وتتراقص بتناسق عجيب،
والأن أضحى هذا الدوران
صخبا وعبثية تبدأ من الأشياء لتنتهي عنده...
كان حلول الظلام إيذانا ببدء
مغامرة مع تلك الأشباح التي لم يكفها نهاره، بل سيطرت على
كل دقائق ليله الطويلة،
كان يصارعها بكل ماضيه الراكد وبكل تجاربه المفرغة دونما
بصيص بالفكاك ولا الخلاص،
يصل به الأمر أحيانا إلى احساسه بها تعبث بتفاصيل جسده،
يدفعها بعيداً عنه لترتد
إليه، يصارعها بما يملك من عزم ولكن كان كمن يحارب ظله في
وسط صحاري الصمت
القاتلة... فهل كل ذلك كان وحده كافيا ليفعل مافعله ذلك
الصباح؟!!
**
في صباح
اليوم التالي، أكان العيد أم أنه يوم عادي؟ أتى المقهى، الذي يجلسان فيه
عادة، وجدها في الركن ذاته، تتأمل كوب الشاي، ترفع الكيس من
خيطه وتعيده في الكوب
الذي تحول إلى الإحمرار، يتصاعد بخار خفيف، راقبها وهي تعيد
هذه العملية ربما عشرون
مرة، أقترب، ودون أن تلتفت إليه أو أن تنتبه لوجوده، ودون
أن يلقى تحيته المعهودة،
جلس على الكرسي المقابل، استمرت هي في إنشغالها بكوب الشاي،
وضعت ملعقتين من السكر، ثم تناولت الملعقة، وأنشغلت بالتحريك، أسترعى
إنتباهه لون الهالة الداكنة تحت
عينيها، يبدو أنها لم تنم جيداً ليلة البارحة، هكذا تمتم في
داخله، توقفت عن تحريك
السائل الأحمر، استكانت، نظرت إليه، وقالت
"لم
أكن أظن أنك تستطيع أن تتنفس بدوني" قالتها وهي مملؤة بالغضب، فقد ظنت طوال
الوقت أنه من حقها أن تعرف وأن تكون بالنسبة إليه كل شيء،
أحكمت السيطرة على كل
عوالمه، كانت تظن أن حقيقته هو ذلك الوجود الممسوخ الذي
يتمسح على أبوابها طلب
للرضى والقبول...
لم يكن رده مفاجأة لها:" صدقيني لم أنم ليلة البارحة، لم
أستطع أن أفك أي من
الرهانات التي تشدني إلى أطيافك التي أسرتني في الغيبة ولم
يعد الوجود عندي إلا
أنت"..لم يرضها رده، أجابته محتدة
"
أنا أيضاً لم أنم البارحة، ظللت
الليل بطوله ألاحق نجمة زرقاء في السماء إلى أن
ظهر الخيط الأبيض"... ساد صمتها المؤلم، مررت يدها على
رأسها لتستقر على خدها،
أمالت رأسها. وسألته وصوتها يتهدج، ولادة لدمعة قادمة "هل
حقاً ستسافر؟" وأردفت
بسرعة " كم أنا غبية فأنت ستسافر كان علي أن أسألك، متى
ستسافر؟" راحت الكمات
والأسئلة تتراكم أمامه بسرعة استمرت " هل من المهم أن أعرف
متى ستسافر؟ كلا بل أنا
أريد أن أعرف لماذا؟" صمتها التالي آلمه، لم يجد أمامه سوى
أكوام الأسئلة،
ولا إجابة.. استجدى الكلمات، خرج الصوت مغتالاً فيه بقية من
حب.. ليجيب عن سؤالها "
لماذا أريد أن أسافر؟ لأنني أحتاجُ إلى بعض الوقت بعيداً
لكي أعطيك الفرصة أن تعيدي النظر في كل شيء" لم يستطع
أن يدرج نفسه في إجابة سؤالها إلا كقيمة سالبة لاتريد شيء
بل يُراد منها
أشياء... كان منطقه هذا يثير أقصى درجات حنقه عندما يكون
لوحده ولكن معها لايستطيع
أن يكون إلا هكذا... غالب نفسه وجمع شتاتها، تمنى لها حظا
سعيدا ومضى... يجر
أقدامه بعيداً وهو ممتلأ بكلام كثير... ولكنه تذكر أمراً
كان لزاماً
عليه أن يقوله، عاد أدراجه ووجدها ما تزال في جلستها تلك
فقال لها:
"كان يجب أن أقول لك هذا منذ وقت طويل ولكنني كنت أجبن من
قوله، أو ربما لأنني
أستطعت أن استجلب شجاعة جبانة في زمن الفرار هذا" أخذ نفساً
عميقاً.. أحس بأنفاسها
تفني حضوره، صرخ الصوت، في داخله لم يستطع أن ينطق بالكلمة
السحرية التي كانت
ستطلقه من لعنتها.. تراجع وقبل ان يلتفت ويمضي هارباً صرخ
"تباً لي.. " وقفت تفصد
وجهها، ألتمعت عيناها، لحق بصرها به وهو يمضي لا يلوي على
شيء، جلست، أمسكت بكوب
الشاي، بارد، ارتشفت بعضاً من السائل الأحمر، وهي تغالب
البكاء نزل في حلقها
بارداً...
********
في تلك الليلة وقفت عند نافذتها تتأمل أضواء الألف
الثانية من الحلم تلتمع في أفقها الموهوم، تأملت وجهها
المنكس على الزجاج في خلفية
الظلام، تذكرت ما قاله في ذلك اليوم البارد قرب البداية،
"في البدء كانت فاطمة.. "
ابتسمت لصورة الأمس الأول، خرج من شفتيها هواء الليل
البارد.. ردت هي عليه "
في البدء كانت فاطمة وبعدها تكونت عناصر الأشياء.." هذه
الكلمات لطالما قصرت عليها
ليالي الأرق الطويلة...
كان هو
تجربتها الأولى والتي
تتمنى أن تكون الأخيرة...فلماذا لم يستطيعا أن يخلقا
أبجديتهما الخاصة؟.
سؤال
طاف في ذهنها حينما سمعت جرس الهاتف يرن.. التفتت ناحية
الهاتف الذي كان ما يزال يمارس طلبه للرد عليه.. أقتربت منه، مدت
يدها ناحية السماعة أمسكت بها تمنت أن يتوقف عن الرنين،
لتجنيبها ألم الحديث.. ما
أن قررت أن ترفع السماعة، توقف الرنين.. اطلقت تنهيدة راحة
مؤلمة، تراجعت إلى
الشرفة تولت بالركن، رفعت نظرها إلى السماء المظلمة، لمحت
النجمتين، واحدة زرقاء
وأخرى حمراء.. ذاك هو وتلك أنا.. تمتمت، فجر البداية يلوح،
يلقي بذكراه على ترقبها
الممض.. في ذلك اليوم الأول، عندما سألها عن أسمها فنظرت
ناحية إلى ما خلف نظارته
ونطقت بأسمها "تماضر" تعجب كثيرا عندما سمع إسمها لأول
مرة، فلم يكن يعرف له معنى ولا يذكر
له تاريخا... كانت تنظر إليه بإعجاب وهو يكرر دائما أمامها
رغبته في تغييره إلى
(الخنساء) التي يعرفها الجميع.. لا تماضر تلك التي لا
يذكرها إلا مرتدي البذلات
الأنيقة والذين لا يتذوقون الحب إلا في سياراتهم وأناديتهم
الفاخرة.. لم تكن
تلك الكلمات بالنسبة لها مجرد تفريغ للمكبوت بل هو تعبير
حضاري عن الرفض الذي لم
يتجاوز التعبير والذي يعكس حس الإنسان بنفسه... هكذا كانت
تفهم كلماته... حتى ذلك
اليوم..!!
***
يتساكن
الرماد والألم
تتفتق الضلوع عن صراخ صامت
تتنهد هي دموعا
وأتنهد
أنا شرودا
ونستمر في نثر الغيوم على وجوه الحاضرين
تضحك زهرة
تستدير
دمعة
يأفل يوم مبهج ويقبل التشاؤل المقيت
وبعد ذلك كله تظل المراجيح تهتز
بنا
أعذريني على البوح الذي أحبه وترهبينه
أعذريني على الصمت الذي أكرهه
وتتقينينه
أعذريني على كل لحظة لم أذكرك فيها-وأنت ترسمين كل لحظاتي-
**
ينسحب ذلك كله للمناطق الباهتة، حالما نتشارك ذلك
الفنجان الوحيد.. لم تفهم يوما تلك النادلة قصة فنجاننا
الوحيد الذي نملأه
مرات ومرات وكأننا نتعمد إتعابها..
كنت أتعقب كل الأثار التي تتركينها على
حوافه...
ألامس من خلالها كل أحلامي بك...
وأنشر أسراري على مرأى ومسمع من
هواجسي ومخاوفي...
وأذيع دفئك الجميل على أذان المرتجفين...
**
عندما تلقت
المظروف في صباح عابث، لم تتخيل انها ستتلقى هزيمتها الأخيرة من يديه،
من أنامله وهي تخط رسائله الواحدة تلو والأخرى في ذلك
المكان البعيد، وراء البحار
وسط المحيط، يكتب رسائل لها قد تصل وقد لا تصل... بدأت
بقراءة الرسائل... الأولى
بدأت بإهداء وأستمرت بعدها في القراءة..
**
إهداء: إلى
التي لم يحن أوانها بعد..
تحية وبعد...
لا أدري بما أبدأ رسالتي الأولى
هذه.. حتى أنني توقفت عند بماذا أناديك في أولى هذه
الأوراق.. منذ مدة وأنا أتحين
الفرصة لأكتب لك ولكن الزمن هنا يجري مخلفاً اوراق الخريف
ورائي.. ولكن ها انا ذا
بعد جهد.. أبدأ.. ولا يهمني متى أنتهي فسؤال النهاية لم يعد
يعنيني.. ما يخصني الآن
هو البدايات وحسب...
أيتها المجهولة... كان صباح بارداً جداً.. وأطياف الكائنات
التي كنت أعرفها لم تظهر هذه الليلة.. ربما أصابها البرد
بالجمود أو ربما شاءت أن
تمنح نفسها مكاناً أكثر دفئاً.. لكنك ما تزالين تحيين
بداخلي.. تتنفسين معي هوائيّ
الشحيح، وتتدفقين مع خلايا دمي النابض بقوة.. دمي المتمرد
على سلطة الحد.. من
الأوردة والشرايين.. وربما سيأتي اليوم الذي تنفجرين في
تلافيف الرمادي بكاءً
دموياً يدعو للحياة..
هذه رسالة أولى.. أكتبها من أجواء المستشفى المركزي هنا..
قد تكون الأولى والوحيدة وقد تلد المزيد.. فكما قلت في وقت
ما لم يعد يهمني تذكره..
أنه لم يهمني شيء.. فقط أن أمسك بنظرة للبراءة في عينيك..
فهل ستمنحينني تلك
النظرة..
صغيرتي الرائعة... يا نبضي
**
الرد على
رسالته (رسالة لم تصلني بعد):
بسم الطفولة الجميلة التي تكتب
بإسمها ولم تستطع يوما أن تغادرها، أكتب ردي هذا المسكون
بهواجس الإشتياق إلى دفئك
في عالمي الثلجي وتجلياتك في عالمي الصامت..
لم تكن يوما البدايات هاجسي ولا
النهايات سؤالي، كنت دائما أحبك وأعشقك لأن العالم بدون
حضورك الجميل وإشعاعك
المتألق عبثية لا تستحق العناء...دوما أحببتك لأنك أهلا
لذلك، وانتظرتك لأني افقد
أناي إلا بك...لم أفهم سؤال صديقاتي (وماذا بعد ذلك؟) لم
أكن أظن أننا نحب أو لا
نحب بحثا عن النتائج أو طلبا للنهايات...كنت أبحث فيك عن
نفسي وسبب وجودي!! وكنت
دائما الإجابة الأكثر إقناعا لأسئلتي...
كنت أجالس قلقي وإنتظاري لساعات وأيام
طويلة إنتظاراً لحبك الذي تأخر ومجيئك الذي يراود لوعتي...
وعندما حانت ساعتي لم تكن
أبدا تلك البداية، فلقد كانت في حقيقتها نهاية الإنتظار
الطويل، وتواصل مع صورتك
الناعسة في حنان داخل أزقة ذاكرتي المتأنقة بك.
كانت كل خلايا جسمي تختزن
صورتك، تحن إلى دفء ملمسك، وتجن برائحتك التي تفوح تعففا...
لم أظن أنني
سأستمتع بإبتعادك وأنت بجانبي، وأنا أبحث عن ذاتي السريعة
الذوبان في بحارك
الشبقة.. لم أتخيل في أي لحظة أن التناقضات الأكثر صخبا
التي يستفزها حضورك ستصبح
متعتي الأجمل ولذتي الأعذب... كنت في كل لحظة سبب الحياة
والشقاء والبقاء وأحب كل ذلك
لأنه بك ومنك وإليك...
لا أريد أن أتوقف ولكن لا بد لي من ذلك.. فإلى لقاء حتى
آخر دمعة من محابر الصمت الشهي.
المنتظرة دائما... السكون المرتجف
**
حبيبتي
الغالية..
مساؤك سعيد...
اليوم... أو الليلة - لا فرق -
أحتجت إليك، منذ وقت طويل وأنا أحاول أن أكبت مشاعر
الاحتياج إليك.. كم أنا ضعيف
أمامك.. لا شيء يعوض وجودك.. حتى كلماتي المتبجحة بإستغنائي
عنك.. كذب.. إدعاء
أحمق.. هروب إلى غياهب عوالمي الملعونة.. شعرت بالرعب
يعتريني.. أغلقت باب
حجرتي ورائي.. خرجت أردت التحدث لأحد.. فلا أحد.. لم أجد
غيرك استعين به.. انت وحسب
من يمنحني الأمان.
فتحت كوتي على آخرها.. وقفت على حافتها محاولاً استنشاق
الحياة... شعرت بالشفقة على نفسي.. أكره هذا الاحساس.. ماذا
تعني الشفقة على
نفسي؟... لا شيء مجرد احساس بالفقد.. والاحتياج.. خطرتِ على
بالي.. أحلت
الجو المظلم.. الممطر.. البارد بالخارج إلى إنتعاش.. إلى
راحة وجدتني أمسك القلم..
بالحياة التي يمنحني إياها القلم.. لأكتب لكِ.. علّكِ...
غاليتي.. قطرة
مطري الحانية.. مازلتُ في انتظارك ِ.. في انتظار ظهوركِ
وحتى ذاك..
أحبكِ...
**
تحياتي
إليك (أنت وفقط ... بعيدا عن الأسر):
لحظتي الأجمل، لن أتوقف عن الشكوى
من تناقضاتك التي بقدر ما أعشقها أرفق عليك منها... لماذا
تهرب من أفق البوح النقي
إلى أزقة الكبت المعتمة...
إبدأ يادفقي الهادر في رحلة الخروج الطويلة...
أكتب أسفارك، وأنثر همومك في سماواتي المتخمة بك..
لا تذر صرح بنوه لإعتقالي
وردعك ألا وقم بنسفه، أصرخ في أوقات الصمت، أسرق كل ما
تمالؤا على دفنه...
مارس
عبثك الحاذق مع كل تفاصيل لحظاتنا الجميلة...
لا أريدك أن تتحرر معي فقط من
أغلالك بل من وهم أنهم قد يستطيعون أسرك...
تحرر حتى من نفسك التي راودوها
عنك...
فالتوحد بيننا لا يكون و هم يسكنون برجفات الخوف في دقائقك
وخطواتك،
ونظراتك وهمساتك...
لحظتي الأجمل.. فلنشرع الأبواب لكل الأسهم التي يظنون
أنها تستطيع اسكاتنا... ولنهزم بالصفاء كل أوهام العتمة...
واهدم يا ألقي أروع كل الكهوف بداخلي لفضاءات لا مخبأ فيها منك إلا إليك،
لأنك ملاذي الأروع...
أحبك... كذلك
المسكونة بك....
**
نبض
قلبي...
تحية وبعد
إنه المرض بالوطن هذه الأيام يقلب عليّ مواجعي،
يحيلني إلى إنسان مستعد لأن يجهش بالبكاء لأصغر تفصيلة
فيه.. تساءلت منذ وقت ليس
بالطويل لماذا نحب الوطن رغم أننا نسعى أغلب الوقت للهرب
منه؟... أجبت حينها
ومازلت أؤمن أن الوطن هو التفاصيل الصغيرة، هو أصغر ما فيه
من أحلام الطفولة التي
اعترتنا فيه.. أتعلمين ان مرأى الياسمين يجعلني أذوب وجداً
فلا أملك أمامه سوى أن
اسقط الدمع مخافة أن أموت من الداخل...
حبييتي.. لا أريد أن أستمر في لعبة
التساؤلات المقيتة التي ربما كنت قد استمتعت بها فيما سبق،
أعلم أنني لا أستطيع
منعها من النمو والتكاثر بداخلي ولكن هذه الفترة أجدني
اتمنى أن تتوقف إلى حين
إنتهاء السؤال الكبير الذي ينتظر أن يُساءل في إنتظار أن
يبحث عن اجابته فيما بعد..
أتدرين لقد مرت كل الشخوص التي عرفتها سابقاً ولاحقاً، مرت
وتفاعلت وأرهقتني في
أحلامي.. لكنني اشتاق لأن تظهري أنتِ.. فهل حان أوان ظهورك
في أحلامي على الأقل..
هل حان...
**
حبيبي
عذرا:
لا أظن أن الوطن هو من ينسج ألامك...
إنهم أولئك النازفون غدرا
وبشاعة من حولوا وطن الحب والأشياء الجميلة إلى مكبا
لقذراتهم...
أرفق بذلك
المختبيء داخل قلوبنا كلحظة هاربة من ألم الحقيقة... هل تظن
أن الوطن لايندب
نفسه!!.
حبيبي.. الفروق الحقيقية تخلقها التفاصيل الصغيرة...
ومن
نفس التفاصيل نتحول إلى مجانين يهربون من قصائد الوطن
والحب...
لا
أظنك الآن تستطيع أن تكون شيئا غير صاحب الأسئلة الكثيرة...
ومن حضن تلك
التساؤلات يتولد النزف الجميل بداخلك، الذي يضيء كل شيء من
حولنا...
حبيبي.. لا تخذل الوطن... لاتدفعه بعيدا عن صدرك...
ولنعانق الوطن
حتى الموت... فنحن آخر من تبقى له !!
**
شوقي
للطفولة
مساؤك رائع..
من هنا كانت البداية.. بدايتي على هذه الأرض..
أردت أن أضمن هذا الرسائل التي قد لا تصل إليك.. علّ هذه
المعلومة تكون كافية لشيء
لا أعلمه.. أمر هذه الأيام بفترة عصيبة، وربما أصعب ما فيها
هو حاجتي الماسة لك، لا
أريد أن أفصل ما الذي أحتاجه منك ولكن مجرد أن تكوني هنا
سيمنحني سبباً للبقاء
والإستمرار علّ الحياة بكل قسوتها تكون أكثر رأفة بي لأنك
معي.
حلمي الطفولي
الذي لم يكتمل.. أمنحك بعضاً من كلمات العمر علّ الزمن يمر
ويمنحني إياك.. فلو خسرت
كل شيء بعد هذه السنوات وخرجت بك فسأكون قد حققت حلمي الذي
لا تمر ليلة إلا ويحوّم
فوقي.. عندما تأتين ويحين أوانك هذا إن حان هذا الوقت،
ستعلمين أنني أتعذب وأستمر
من أجل أن تتحققي.. حقيقة لا تقبل الخدش أو اللبس فيها..
وماذا هناك ليقال.. تمر
أيام قبل أن أعود لكتابة رسالة جديدة لا لأنني مللت من هكذا
عمل ولكن ما في القلب
لا يسع كل أوراق وأخشاب الدنيا ويكفيني أنني أؤمن بأنك
موجودة، حاضرة تنتظرين
اللحظة المناسبة لتظهري.. أحبك وكفي.. ولا شي غيرك..
**
عثرت في
داخل حقيبتها على قصاصة ورق، لم تكن تعلم بوجودها، فتحتها وقرأت
مافيها....لم تكن الكلمات التي قرأتها تختلف قيد أنملة عن
ماكان يجول بخاطرها...
أرسلتها إليه وتمنت له حظا سعيدا، وطلبت منه أن يقرأها على
الجميع..
**
جالساً حد
الشرفة.. ترتشف بقية الماضي.. سنة من الاشتياق واللاعودة.. تصبح كما
تمسي.. تنتابك خفقة مطر عند قدوم الفجر، تقذفك ريح شمالية
إلى بحر صاخب بالصفاء،
ماسكاً بالقلم تستبيح عذرية الورق، ناظراً خلال النافذة،
وجوه خلفها أمامها، بينك
وبين ما سيأتي.. يا المختبئ في تجاعيد مياه البحيرة،
المحتمل الموت عند لحظة غضب
كافرة.. فاركاً عينيك مخافة انتهاء الحلم.. صورتك هناك توحي
بالبقاء أسير رمادية
المكان.. مخفياً ابتسامتك المغتالة حد الحزن المقدس..
متوهماً صورتها صورتهم عند
ولادة اللعنة.. لاعقاً آخر الثواني قبل تمام السنة، خطواتك
على جسد البداية نظرتك
من على السلم الصاعد نحوها، رفعك لأصابع النصر.. يبهتون في
مكانهم، ثلاثة كانوا أم
أربع.. لم تبهت الصور والأوهام.. المزداد استمراراً.. وجهك
الذي انتابته لحظة فرح
مجرمة.. تصب بقية البرتقال في الكأس تستمر في لعبة الكلمات،
لا تملك قلماً أو ورقة،
تنظر إلى المرآة ترخي لصورتك العنان تصطدم ترتد تعود إلى
عدد الأيام مررت بها مرت
بك، مررنا بها.. صوتهم عبر أسلاك الهاتف يزداد بعداً وصوتها
ما يزال شاحباً...
بريدك الذاهب وراء القارة إلى أخرى يعلق برائحة عرقك الناضح
في وسط أرق مضني عندما
تشعر بالمزيد من الأيام المنتحرة..
دعني هنا وأترك المكان لآخر رشفة من عصير أو
قضمة من حلوى.. أترك القلم يستبيح الورق.. وامنحني شبه حياة
كانت أو ستكون أيها
المتدفق في دمي المستنشق هوائيَّ الأخير... تخلى لي عن
بقيتي.. خذ بقية الصور معك..
بلا ذكرى.. بلا وهم سابق مرهق سأحيا وأستمر.. جالساً حد
المكان، مدى الزمان تتآكل
بلا نقصان تذوب بلا تلاشي... مقدس هو حزنك، ارتدائك للسواد
وخطيئة هو الحنين
إليها.. انقضت ساعة الوصول وقبلها لم يكن هناك من هناك أما
ما سيكون فأجعله يتدفق
مع مطر قادم.. قد تنتهي اللعنة حينها وأعود إلى تلك الوقفة
عند حلم لم يبدأ ونوم
يستجدي نومه.. سأمنحك كل الحزن في الدنيا على وجه لا يعرف
الحزن وسأتركك في رحيلي
عند تلك الأرض تعانق اللا جدوى، أيها المتبقي من حاضري
القديم المتوقف عند هذه
الهنا، المتقهقر دوماً عند كابوسك الحالم وهمك الممض..
"جميلٌ أنت في المنفى.. قتيل
أنت في روما.."..
أترك مكاني لبقية ما في القدح من مرارة.. تتريث تمسح على جرحك
وعلى شكل القلب المتشقق على صدغك الأيسر.. تمنحني ابتسامتك
المقيتة وتتركني..تتركني
قتيلاً.... سعيداً... وبعد...