البحث عن
المعنى واركيولوجيا النص
الحديث عن
مباحث الدلالة والمعنى داخل النص من الممكن إثرائه وتعميقه بتقديمه من خلال
مفردات اركيولوجية تراهن على المشابهة الهيكلية الممكنة من تقديم المجرد
بلغة المحسوس المتأطر بالعلم.
النص في داخل هذا المنظور وجود حيوي
متراكم داخل الثقافة المؤسسة له ولا تعدو أن تكون مفرداته إلا إشارات
وعلامات دالة في عملية الكشط والتنقيب.
لا يقف البحث عن دلالات النص
على مبحث المعنى المتحدد بمجمل المعطيات المؤسسة للنص المخصوص بل يتعداها
للنظر في المسلمات القارة المشكلة للنص بوعي أو بدونه
والتي سمحت
بإنتاجه داخل هذه الثقافة وحولته إلى مساحات الممكن التفكير فيه بله
المنتج.
قبل أن نتقدم أكثر يجدر بنا الإشارة إلى أننا نؤسس نصنا على
رؤية تقيم فصلا إجرائيا بين مفاهيم ( المعنى - الدلالة - المقصد ) , النص
من حيث هو وجود لغوي يستمد معناه من الدلالات المضفاة على وحداته البنائية
, من داخل الثقافة المنتجة له , فهو بهذا المعنى قابل للتحميل الدلالي :
- لقيامه على المشترك اللغوي بشرط عدم اختراق مفهوم الدلالة الاحتمالية
للنص ,
- لمخاطبته لجمهور له دوافعه و أدواته ومعطياته المختلفة.
-
لتكونه داخل العقل الفردي المنحاز بطبعه .
- لتخلقه داخل ثقافة لها
معطياتها المموضعة للنص.
فالنص بعد إنتاجه يتحول إلى وجود مستقل له
حياته الخاصة وإن كان يحمل في جوفه جينات الذات المنتجة له ولكنه قد تموضع
بعد الإنتاج في الأسيقة العامة التي لا تتحدد فقط بالمعطيات التي ساهمت في
إنتاجه بل سيعيش النص داخل معطيات الواقع الذي يقراه حسب إمكانياته
الأداتية/المفاهيمية/اللغوية/الإيدلوجية...هذا الوعي بالتحولات الوجودية
التي يعيشها النص داخل الرحم المعرفي الذي خلقه بناء على امتزاج الأمشاج
المخلقة للأنوية الأصلية ثم عملية الولادة التي في حال تعسرها ستبقي بعض
أثارها على النص كعاهات لغوية مثيرة للمشاغبة دافعة للتأويل وبعد ذلك تبدأ
ملامح النص في الوجود الخارجي بالتشكل وحضوره بالبروز لا حسب معطياته
الداخلية فحسب بل أيضا بناء على الإمداد النوعي المزود للنص بالدلالات
المخصبة أو المفقرة لوجوده ولا يقف النص من ذلك كله بتصلب سلبي بل يعمل
أيضا على إحداث تموجات وإنزياحات وتدافعات داخل الذات المتعاملة معه , ويظل
النص الأصلح حيا يمارس تأثيره فيما ينزاح النص الذي يحوي بذور نفيه إلى
مساحات الظل ليتوارى عن الوجود معلنا عدم امتلاكه مقومات الحضور والتأثير.
(النص حمال ذو وجوه) , من أين تأتي قابلية النص للتحميل ؟ ,هل تصح هذه
المقولة باعتبار مراد الكاتب واستحضار مجمل المحددات المشكلة للنص ومراعاة
ظروف تخلقه وامتلاك الخلفيات المعرفية الكافية لمقاربة النص وموضوعه- هذه
الأمور المضيقة للاحتمالات ,المقربة لإمكانية المطبقة بين النص ومقصده .
تصح هذه المقولة في حالة انغلاق مقصد الكاتب أو انعدام إمكانية إدراكه , أو
للطبيعة الفضفاضة الاحتمالية للغة المستخدمة , أو لضعف الجهاز الأدواتي
القارئ للنص , هذه العوامل تجعل النص مساحة ممكنة للتحميل الذي يقبله النص
ولابد ولو على أدنى مستوياته ,ولا يقبله في حال استحضار جملة المحددات
المشار إليها سلفا ,فالممكن والمستحيل الدلالي ليس واحدا ومطلقا بل هو نسبي
بحسب المستوى المطروق ومعياريا ته التأسيسية , والوجوه التي يحتملها النص
ليست لخصيصة ثبوتية في نواته وجوهره بل لتعدد وتنوع جهات المقاربة ومستويات
التناول.
مالذي نقصده بمستويات التناول ؟ يمككنا الحديث عن مستويات
التناول بتقسيمها إلى:
- تناول مباشر : ويعمل هذا المستوى على النص
كبناء لغوي نمطي , يمكن استمداد الدلالة منه بإخضاعه لمستلزمات وقوانين
المقاربة اللغوية العامة والخاصة.
- تناول جزئي : وإن كان هذا التناول
يضع في اعتباره أن نص كاتبا ما هو جزء من وعي أشمل فيمارس نوعا من الربط
ببقية نصوص الكاتب بغية استخراج الدلالة الأكثر احتمالا وفقا لاسيقة الكاتب
المعينة
- تناول شامل : وهو التناول الذي يرتقي إلى مستوى النص فلا
يكتفي بمجرد موضعة النص داخل السياق الخاص بل يعمل على معالجة النص وفقا
للاعتبارات المركبة المحددة لوجوده داخل جملة الأسيقة الثقافية الخاصة و
العامة.
بعد هذه المقدمات التي حاولنا إيرادها بين يدي موضوعنا يمكننا
التقدم أكثر للتكلم حول ما يريد الكاتب إيصاله من خلال النص ( مقصد النص )
, وما يدل عليه النص وفقا لمعطياته الداخلية والمحددات الخارجية المؤطرة له
( معنى النص ) وما يحتمله النص من معان قريبة أو بعيدة الإدراك ( دلالة
النص ). هناك نصوص معيارية - وهي قليلة أو بالأصح نادرة - تتطابق فيها
الجهات الثلاث لوضوح مقصد قائلها ودقة بنائها اللغوي وصرامته الانتقائية
فتنحصر الاحتمالات الدلالية في المعنى , وهي ما يمكننا أن نقتبس لها
المصطلح الأصولي (قطعي الدلالة) , ولكن معظم النصوص الفكرية القائمة على
غير المحسوس المتعين يصعب فيها الوصول إلى هذا التمازج وذلك لطبيعة المركبة
للمواضيع المتعامل معها , و للقصور الماهوي للغة , وتعدد المنظومات القارئة
للنص...الخ مما يجعل عملية المطابقة عملية شاقة وتتطلب كثير من المجهود
الحفري للوصول إلى درجة مقبولة من المطابقة بين الجهات الثلاث .
البحث
عن معنى ومقصد النص أبسط ما يوصف به أنه عملية تنقيب عن المعنى داخل
الطبقات اللغوية والمنطقية والمعرفية المؤسسة والحاجبة للنص , عملية الحفر
هذه تفترض أن العمق ليس أحادي الاتجاه بل العمق هو الإمتدادات المتعامدة
للنص داخل طبقاته المتمازجة لتخليق المعنى , ولابد للوصول إلى العمق الكاشف
عن المعنى من امتلاك الجهاز الأداتي المطلوب لتحقيق معياريات الحفر ومن
امتلاك القدرة على توظيفيه بالقوة وبالفعل.
وتود الإشارة في ختام نصنا
هذا أننا نموضع نصنا ضمن أدبيات النص , أي النصوص التي تحرك الموضوع وتثري
بعض جوانبه ولكنها لا ترتقي إلى مفهوم العلم . لماذا هذه الإشارة ؟ لإننا
نريد في ذات الوقت الإشارة إلى أن مثل هذه المواضيع من حيث التفصيل قد
إرتقت إلى المستوى العلم في ثقافة الأخر (مثلا علم السيمانطقيا=Semantics
الذي يطرح مفهوم المعنى للسؤال ويحاول البحث عن محددات المعنى " الخصائص
السيمانطيقية للكلمات.." وأسباب تعددية المعنى = Ambiguity" ..الخ )الأمر
الذي يلزمنا جميعا بإنزال الأمور منازلها والإبتعاد عن الخلط السائد بين
أدبيات العلم والعلم