الألم في قصص غازي القبلاوي

بقلم : خالد درويش / ليبيا

(مجلة أفق العدد 17- 2002)

    الجيل الذي يحمل أحزانه على كتفيه ، ومن ورائه كتل الجحيم تصهده ، تسبّح بانتهاكه وتشهد بوحدانيته وتفرده في أتونها ، الجيل الذي عرفت وعايشت واحترقت عبّر عنه ( غازي القبلاوي ) في مجموعته القصصية الأولى ( إلى متى ) أجمل تعبير ، وسار في هجير الرحلة ، كتب هذا القاص بانفعالاته قصته هو ، قصة الاحتراق ، فلا تلتفت في هذه المجموعة إلا وتصدمك المرارة ، ويصفعك  الألم قائلا ـ هذا هو الواقع المرّ الأليم ـ وإن نجاح كاتب مثل غازي في تصوير هذه المعاناة ليدل على مقدرة فائقة في تحسس هذه المواضع والتعبير عنها ، فالقاص كما أعرف ينتمي إلى جيل التسعينيات ، جيل انسحب إلى الداخل وقرر تمزيق أوراق السفر ، قرر أن يعيد صياغة الحلم فاصطدم بهولاكو الواقع ، فلم يجد إلا الذات ليحطم (تابوهها ) المتألق .

فمنذ البداية وعند الشروع في الدخول إلى عالم غاري الإبداعي في مجموعته الصادرة  حديثا - يوليو / 2001 تصدمنا القصة الأولى بعنوانها ( دون جدوى ) وهي قصة ثلاثة يحملون همومهم  ، محاولين أن يتخلصوا منها عبر السير في الشوارع وتستمر الرحلة إلى أن يصل بهم تطوافهم الغير مجدي إلى البحر وقبالتهم الامتداد اللامحدود ولكن الغريب أنه تنتابهم نوبة من الضحك المفرط " أما همومهم فهي عالقة في كل  خلية من جسدهم ، متأصلة في جيناتهم الوراثية تمتص أحلامهم ،، ".

    وبهذا يقول الكاتب ـ ما أريد أن أتصفحه في هذه المجموعة ـ ألا وهو الدمار الذي لحق بهذه الكائنات ، الألم الذي يعتصر كل الشخوص ، فكل أبطال غازي هم مهمومون ، مهزومون ومأزومون ، حال المواطن العربي في مقبرة المحيط إلى الخليج ، وإذا ألممنا سريعا بعناوين قصصه لنجد كارثة حقيقية يعبر عنها ( دون جدوى - إلى متى - موعد لا يأتي - ذرة غبار - أهل الكهف - العدم - الرماد لا يلد شيئا ) ولك أن تتخيل الفرح والسعادة والحرية والديمقراطية في العدم أو في رماد لا يلد أو إشراق وتفاؤل موعد لا يأتي ودون جدوى ، كل هذه القصص بعناوينها ستدخلنا إلى عالم انتهاك الإنسان الذي أجاد القاص في التداخل معه ولا أقول التعبير عنه لأنه عاش شخوصه جيدا وهو المتحسس لآلام الآخرين ، ففي قصة العدم أو مشاهد مبعثرة لقيامة أخرى يقول " خواء الزمن من أرقامه المزيفة ، موت الدقائق المملة على رصيف الزمن الماضي نحو الهاوية ، مكان دون زمان ما ، تناقض لا يفهم ، لم تكن القيامة ولم يكن الكون قد بدأ (...) ينفجر الحزن بداخله ، بئر سوداء نتنة تخرج من أعماقه ، صرخة وليد يتلاشى مع العدم ، ... " . (العدم ص 106 )

    كل هذه الصور لحالة واحدة هي حالة ما نعيشه من واقع  يدوس كل جميل في ذات الإنسان ويجعله آلة صماء ، ويصل الكاتب قمة نضوجه القصصي إضافة إلى أسلوبه الرائق المكثف الذي يصل حد الشعر في مقاطع كثيرة قد يكون منها " سقطت الشمس في بركة من دمائها ،،، النهار فقد بصره وانزوى يغطي كاهله بدثار حالك السواد " وهي صورة يمتزج فيها النهار بالليل وكأنها انعكاس لما يجري من تغييب وضبابية ، أما قمة نضوجه كما قلت الذي يتدرج في هذه المجموعة إلى أن يصل قصته الرائعة ( أهل الكهف ) قصة الفتية الذين غرّبتهم المدينة ، الذين عشقوا البلاد التي لفضتهم ، وما أجمل غازي حين يخلط في سحر عجيب الأسطورة الخيال بالقصة الواقع ، الألم بالأمل لينتصر الألم دائما ، أما في حكاية الشمس التي جزأها إلى ( النفي - الكابوس - رماد الطفولة ) ، حين يسقط قرص الشمس الذهبي مضرجا بدمائه وهو الذي اخترقت جسده رصاصات متلاحقة ، هذا الخلط بين المتخيل المتاح لأنه من جيل سافر إلى المتاح ولا متاح اللهم إلا هذا النزيف الداخلي الذي نبعه الأوحد ، ألم ، ألم ، ألم ، وثقافة ومعاناة وظفها غازي القبلاوي ليخرج علينا بأول مجموعة قصصية له ( إلى متى ) فإلى متى يستمر نهر الحزن داخلنا .. إلى متى ؟

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005