العرب تحاور القاص الليبي غازي القبلاوي

العرب اللندنية (03-02-2004)

حاوره: جميل حمادة
تقديم:
غازي القبلاوي قاص وكاتب من الكتاب الليبيين الشباب، وهو كاتب جيد ينتظره مستقبل مزهر، وهو أيضاً طبيب دخل المهنة حديثاً، وهو كاتب نشط في عدد من الصحف العربية التي تصدر في الخارج، ولديه بعض الكتابات النقدية التي تعنى بالكتابة الإبداعية العربية عموماً، وبكتابات الأدباء الليبيين على وجه خاص. صدرت له مجموعته القصصية الأولى (إلى متى..؟ ) العام 2001 وهو من مواليد طرابلس العام 1975. ونحن هنا نحاول عبر هذا الحوار أن نستجلي آراءه في أدباء جيله من الشباب والأجيال السابقة عليه، وكيف ينظر إلى مستقبل الثقافة العربية وهمومها وإشكالياتها، علنا نتمكن من اكتشاف ملامح بينة لهذه المرحلة ورؤية هذا الجيل لها، بكل تجلياتها وما تطرحه من رؤى مستقبلية. وإليكم نص الحوار:

أنت قاص شاب، لم يمض ربما على امتهانك الكتابة القصصية عقد كامل بعد، ورغم ذلك جمعت أطراف شجاعتك وأصدرت مجموعة قصصية.. فهل تحدثنا قليلاً عن هذه التجربة؟
بدأت قصتي منذ أكثر من عشر سنوات، كنت أغازل الورقة لكي تبوح بمكنوناتها لي، أناجي بقية ألم ما يزال غضاً، وأمارس لعبة التمنع مع الكلمات، تبلورت التجربة بمرور الوقت، ومع ترسخ مبدأ أن الكاتب الجيد هو في المبتدأ قارئ جيد، كانت قراءتي قد بدأت من خلال الإرث الثقافي الذي راكمه أبي بوجود مكتبة كبيرة حوت على أفضل نتاج فترة الستينات والسبعينات، وبدأت أنا في إتمام مهمة هذه المراكمة خلال فترة الطفولة والشباب الأولى، إلى أن وجدت طريقي إلى السرد من خلال روايات المشرق العربي في الشام ومصر ومن ثم بدأت اللعبة تكبر وتماديت في الغوص إلى أعماق اللغة وأصبحت الكلمة الأنثى أغلى ما أملك وذلك مع بداية التسعينات. لم أكن أدري في البداية لماذا أكتب ولا كيف أو حتى ما الذي سأكتبه. مع صيف العام 1994 بدأت في كتابة نصوصي السردية الأولى بعد فترة من التمرس مع النص النثري، ومع نهاية ذلك العام أستطعت كتابة ما يمكن أن يصطلح عليه فنياً بالقصة القصيرة بالمفهوم الواسع لهذا اللون الأدبي، لكنني كنت أعلم أن الطريق يحتاج إلى الكثير من الجهد. ولم أجرؤ على التطاول بالنشر إلا مع العام 1996. قبل ذلك كنت أتدرب من خلال كتابة أكبر عدد من النصوص القصصية التي لا تحمل أي قيمة فنية وكنت أجد في من حولي من زملاء الدراسة والصبا قراء يمنحنونني رؤيتهم التي لا تحمل رؤية فنية نقدية محترفة ولكنهم كانوا يقرأون أنفسهم من خلال نصوصي التي بدأت في صقلها مع مطلع العام 1996 وذلك عندما نشرت أولى نصوصي بالصحف المحلية. وأستمرت اللعبة في النمو وأصبحت أجد الملجأ والأمان من الكابوس الذي نعايشه، وذلك ليس هرباً من واقع ولكن محاولة لتفسيره بشكل يجعلنا نتحداه ونستمد قوة الحياة التي يمنحها القلم. شجاعتي الجبانة إن اصطلحنا على وجود على هكذا نوع من الشجاعة بدأت قبل العام الذي نشرت فيه مجموعتي القصصية العام 2001. فقد راودتني فكرة أن أنشر المجموعة منذ العام 1998 ولكن لظروف الدراسة الطبية في ذلك الوقت والتي كانت تشارف على نهايتها وللتطور الذي حصل من خلال اطلاع قصصي على عدد من الأساتذة من الكتاب والأدباء جعلني أتأنى في النشر حتى إلى ما بعد بداية القرن الجديد. كان ما يزعجني هو تلك العادة التي أصبحت تميز المشهد الأدبي الليبي وذلك بعدم نشر الكتاب لنتاجهم حتى يصلوا إلى سن اليأس, وهو ما استهجنته في حينه وما زلت، وهو كذلك ما نتفق فيه نحن الكتاب من نفس الجيل والخلفية الثقافية بعدم تكرار أخطاء الذين سبقونا، ومن بين تلك الخوف من خوض تجربة النشر والإصدار. لذا دفعت بمجموعتي الأولى التي تمثل مرحلة تجاوزتها نفسياً ومادياً لنشرها قبل أن أجدني مجبراً على رميها في ظل حالة الإحباط السائدة. وإنني في هذا الخصوص أجدني مجبراً على التنويه بدعم الكاتب عبد الرزاق العاقل الذي تفضل بقراءة المجموعة وكتابة مقدمة عنها كانت دفعة كبيرة لنشر هذا العمل، كما أن الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه تفضل بقراءة المجموعة وكتب رؤيته لعملي وهو ما كان نهاية لبداية رحلة لا أدري إلى أين ستفضي بي.

ألا تشعر بأنك تسرعت قليلاً في إصدار مجموعتك القصصية (إلى متى..؟) وأنت لم تمارس بعد الكثير من تجارب الحياة؟
لا أدري من الذي يستطيع أن يحدد ما هي التجارب الحياتية التي يمكن أن تشكل زاداً من الأفكار لصياغتها في شكل أدبي. تجارب الحياة والمعاناة وما إلى ذلك من مصطلحات فضفاضة لا أدري على أي مرجعية يمكن قياسها. ما أعرفه أن لكل فرد متوحد في فردانيته تجربته الحياتية الخاصة به والتي تعبر بشكل وبآخر عن تكوينه النفسي والتربوي. هل عليّ أن أعيش تجربة تتوحد مع التشرد والفقر؟، أو تجربة عن الغربة أو النفي أو السجن حتى يمكن كتابة هذه التجربة؟. ما هي حدود معاناة الكاتب؟ لكي نصطلح أن تجربته تناسب أن تكون عملاً إبداعياً. أنا عبرت عن تجربتي وهمومي التي عايشتها وعايشها أبناء جيلي وعبرت عنها بطريقتي الرمزية التي وجدت فيها الأسلوب الأمثل للتعبير عن رمزية البشاعة التي تحيط بنا. تجارب حياتي هي أحد الخصائص التي تميزني عن الآخر، هي علامتي المسجلة، إن كانت هذه التجربة وجدها الآخر عادية ورتيبة وغير ذات أهمية، فذلك لا يدل على عدم فردانية وتفرد تجربتي ولكن يدل على تفرد تجربته هو لذا لا نقرأ مجموعة من الكتاب بنفس المعاناة أو التجربة. هل تسرعت، ربما ولكنني في نهاية المطاف لا أريد من الإحباط أن يأكلني لأغدو ظلال إنسان.

كيف تنظر الآن إلى واقع القصة القصيرة العربية، هل هو ثري أم فقير وتعيس؟
القصيرة العربية وصلت إلى ذروة سرديتها مع نهاية القرن الماضي إلا أن دخول الساردة الكبرى الرواية على الساحة الأدبية العربية واستحواذها على معظم الكتاب الذين أتوا إليها من كافة الأجناس فإغواء النص الروائي وصل أن حول عدد من الشعراء للتعامل مع هذا اللون الصاعد على الساحة الثقافية العربية. وهذا في وجهة نظري هو التطور الطبيعي للحالة السردية النثرية التي تطغى على النص الأدبي العربي في هذا العشرية التي نسير فيها حثيثاً. القصة تملك السبق في أنها الساحة التي أنطلق منها النص الروائي العربي الحديث. القصة العربية تقف على مشارف مستقبل سيجعلها تتمتع بخصوصية ولغة نثرية تنحو إلى السرد الرمزي ذي الشعرية العالية. وهو التطور الطبيعي والصحي والذي يدل على مدى إمكانية أن تصبح القصة العربية في يوم من الأيام في المستوى الذي نطمح له جميعنا.

نحن نرى أن المبدعين العرب في مجال القصة القصيرة قليلون، فماذا تقول أنت عن أبناء جيلك من كتاب القصة العرب والليبيين على حد سواء؟
مجدداً كتاب القصة العرب والليبيين في تصاعد من حيث المستوى والعدد، وفي نهاية المطاف العبرة ليست بالكم ولكن بالمستوى الفني المقدم، فلو نظرنا إلى أحد القنوات التي تنشر القصة القصيرة في الوطن العربي وهو موقع القصة العربية الذي يشرف عليه القاص الصديق جبير المليحان، فسنجد ما يزيد عن 520 ممارس للعمل القصصي في 22 دولة عربية وسنجد من بين ذلك ما يقارب الأربعين اسماً من ليبيا، وعلى الرغم من الكثير من هذه الأسماء على الصعيد العربي والمحلي لم تنشر إلا بضعة نصوص ومنها من هو في أول الطريق وآخر ينشر نصوصه لأول مرة فإن هذا الرقم الكبير في عدده لا يمثل حقيقة المستوى الفني الذي وصلت إليه القصة في ليبيا أو العالم العربي بشكل عام. إن ما نسعى إليه من خلال ممارسة القصة هو التجريب للوصول إلى نضج في النص القصصي المقدم ومن ثم المراكمة على هذه التجربة لتنشأ لدينا خبرة في هذا المجال المتعدد الأوجه والأشكال. وإذا ركزنا على المشهد القصصي الليبي بشكل خاص ومن خلال قناة توثيقية أخرى لهذا النتاج وهو معجم القصاصين الليبيين لوجدنا أن عدد الأسماء التي صدرت لها مجموعات قصصية من العام 1957 وحتى العام 2001 يبلغ 70 وهو رقم كبير بالنسبة للمشهد الأدبي الليبي الذي ما يزال مقيداً كغيره من المشاهد المحلية الأخرى في الوطن العربي إلى التراث الشعري المتجذر في شخصية الثقافة العربية، وعلى الرغم من هذا الرقم إلا أن من راكم هذه التجربة القصصية وكرس وقته من أجل تقديم الأفضل هم لا يزيدون عن نصف هذا العدد إن لم نبالغ. وأنا مؤمن كما هو الحال مع معظم أبناء جيلي أن السرد القصصي وصل حالياً إلى مرحلة عالية وذلك سرداً ولغةً وفكرةً، وهو ما نفتخر به ونتمنى أن نواصل العمل بجد على ترسيخه.

ماذا تقول عن المشهد الثقافي الليبي، والعربي عموماً وكيف تقيمه؟
مر المشهد الثقافي الليبي بالعديد من المراحل التي يمكن أن نقيمها بحسب الجهة التي ننظر إليه منها. هناك من يرى أن الأزمة التي يمر بها المشهد الثقافي العربي هي جزء أساسي من أي أزمة نمر بها محلياً وهذا في حد ذاته صحيح ولكن، المشهد المحلي له خصوصية تمنحها إياه الشخصية المميزة للمثقف الليبي، ذلك المثقف الباحث عن الجديد والمستمتع بكونه ليس في دائرة الضوء، المثقف الباحث عن دور أضاعه ويتم يومياً إقصائه من ممارسة الدور الذي يجب أن يضطلع به. المشهد الليبي عانى من عقود من التهميش المتعمد والغير متعمد، وهو ما نجد أنه أصبح مرفوض ويتم تحديه يومياً من قبل الجيل الذي انتمي إليه. كلنا مللنا من محاولة التجاهل التي تمارس لدورنا ليس فقط بالمعنى الضيق كأدباء ولكن بالمعنى الواسع للمثقف العضوي الذي يحس بآلام المواطن البسيط والمتصدي لخطر إقصائه والحد من حريته. إن المناخ العربي عموماً يدعو أحياناً لفقدان الأمل وإلى حالة من الازدراء القاتلة لإبداع الكاتب، ولكن المستقبل يبشر بالخروج من القوقعة، والتحليق بحرية وعنفوان. المشهد الثقافي الليبي في العموم في حالة ترقب للخروج إلى مساحات أكثر رحابة وإلى الحصول على أكبر قدر ممكن من الانطلاق والعمل في حدود المتاح لفرض الرؤية المستقبلية المتفائلة التي نرى بوادرها بالمراهنة على الأجيال الشابة من المثقفين الذين يستمدون من الرواد الزاد والتوجيه الأبوي الحكيم.

أنت قاص وطبيب، فكيف تمكنت من إنجاز مناخ توفيقي بين هذين المجالين المتعارضين في معظم الأحيان.. هل تقلد مثلاً الطبيب الشاعر إبراهيم ناجي أو الكاتب الطبيب عبد السلام العجيلي؟
اسمح لي بأن لا أتفق معك حول مسألة أن المجال الطبي والأدبي يتعارضان، فهذا أجده إدعاء قد فندته من خلال ذكرك لأسمين فقط من أكبر الأسماء في المشهد الثقافي العربي الحديث وهناك عدد آخر من الكتاب الأطباء الذين كانت لهم بصمتهم الخاصة على الساحة الثقافية. ولكي أثبت أن هناك توافق تام وليس ذلك فحسب ولكن تكامل بين المجالين الطبي والأدبي هو أن العام الذي بدأت فيه ممارسة النص القصصي هو نفس العام الذي بدأت فيه دراسة الطب ولم أجد أي عوائق في التعامل مع المجالين لأنهما ببساطة كانا كتلة واحدة لأنهما يشكلان العنصرين الأساسين في تكوين شخصيتي. وقد اشتط وأقول أنه لولا الطب لما كنت كاتباًَ إن صح زعمي، والعكس قد يكون صحيحاً. ولكن قد يعلق البعض أنه لو تفرغت للكتابة ربما أصل إلى لحظة الإبداع التي ننشدها جميعاً وأنا لا أستطيع أن أجيب بالنفي أو الإيجاب لأنني ببساطة لم أجرب حالة أخرى غير الحالة التي أتعايش معها كوني طبيباً وكاتباً في نفس الوقت. في العام 2000 كنت قد اعددت ورقة لكي تنشر في المرحومة مجلة (آفاق طبية) الصادرة عن نقابة الأطباء الليبية وتدور حول العلاقة البينة بين الأدب والطب وذلك من خلال إطلاعي على تجارب غربية في تدريس مواد أدبية وفنية لطلبة الطب في الكليات البريطانية، وكيف تم التوصية من قبل المجلس الطبي العام في المملكة المتحدة بإدخال مواد اختيارية لطلاب السنوات الأخيرة لكليات الطب تعنى بالأدب والعلوم الإنسانية في العموم. ونحن في الثقافة العربية لدينا السبق في هذا المجال ويكفي أن نضرب مثلاً بالشيخ الرئيس أبن سينا الذي وضع أسس علوم الطب الحديثة حتى هذا اليوم والذي كان كاتباً ومفكراً فيلسوفاً كانت له بصمته على الثقافة العالمية بشكل عام. الطب والأدب هما صنوان بالنسبة لي ولو خيرت في أحدهما فإنني لن أستطيع العيش بنصف قلب ومن ذا الذي يستطيع ذلك.

ما هو في اعتقادك سبب عزوف هذا الجيل عن الثقافة عموماً وعن القراءة بشكل خاص؟
هذه ظاهرة عالمية، هناك العديد من الأسباب التي تدعو جيل ما إلى نبذ الثقافة أو التعامل معها بشكل ثانوي وفي منطقتنا تصبح الأزمة مضاعفة مع المناخ الاقتصادي والتعليمي المتردي. إن الثقافة التي تكرس المادة والنفوذ وتقيم الإنسان بما يملك من هذين المحددين هي ثقافة تعيش حالة عداء تام مع كل ما هو ثقافي رفيع. إن المشكلة لا تبدأ في البيت ولا تنتهي بالمؤسسات الثقافية المهمشة، ولكن تمر بمراحل النمو المختلفة التي يمر بها الفرد لينتج لنا إما إنسان مثقف يمجد انتمائه للوطن ولشعبه بالمعنى الجمالي، أو ينتج إنسان يبحث عن الأمان من خلال حصر انتمائه لما يملك أو لم من يمكن أن يوفر له هذا الوطن المادي. الأزمة هي أزمة مجتمع يحدد للثقافة قدرها وأهميتها في بناء أبنائه.

أنت تكتب الشعر أحياناً.. ولكنك أصدرت مجموعة قصصية، فهل أنت قاص أم شاعر. بمعنى أي الأجناس الأدبية أقرب إلى قلبك؟
أنا لا أملك الحق في فرض نفسي على الآخر بزعمي أنني قاص أو شاعر أو حتى كاتب ولكن يمكن أن أقول أنني أحاول أن أكون يوماً ما كاتباً بالمعنى الواسع والذي يقع داخل دائرة المثقف الذي أتمنى أن أكونه. أجد نفسي في السرد القصصي، وهو كان الأصل وأرجو أن أجد نفسي يوماً ما قاصاً، أما الشعر فأنا لا أتطاول على إمبراطوريته العربية المترامية الحدود، وإن كنت أتجرأ على كتابة النثر ذو النفس الشعري وأجد فيه الكثير من الأمان ولكنني لا ادعي بأي حال من الأحوال أن ما أكتبه هو شعر لا شكلاً ولا مضموناً. قيل بأن لغتي القصصية التي أستعملها فيها الكثير من النفس الشعري، هذا يسعدني ولكنني لا أدعي حتى قصيدة النثر ولا أدخل في هذا الجدل ليس تكبراً على هذه المدرسة التي بدأت في أولى قراءاتي في التعلم على يديها ولكن معرفة بقدر نفسي وقدر الشعر الذي أعرف أنني لن املك أدواته.

هل صار الأدب وسيلة للمتعة والترفيه أم أنه مازال يتوفر على دور في إرساء أسس الوعي والمعرفة والثقافة؟
نحن لم نصل بعد إلى إرساء الأدب كأحد أهم وسائل الوعي والمعرفة والثقافة حتى يمكن أن نصل يوماً إلى أن يكون وسيلة للمتعة والترفيه. فمازال الكثير يعتقد أن من يكتب القصة، وذلك خارج حدود الوسط المثقف، هو يكتب قصصاً للأطفال أو قصص عن الغراميات المستهلكة، ومازال من يكتب الرواية ينظر على أنه يقدم أوراق لكي يلف بها اللب، والشاعر في أحسن أحواله هو ذلك الذي يقف في المناسبات الوطنية ليعذبنا بقصائد نارية عصماء على البحر المتدارك. هذا هو الحال الآن ولن نصل إلى أن يكون الأدب ترفاً إلا في اليوم الذي أكتب فيه رواية ويدفع لي مقابلها الملايين أو يطبع منها ما لا يقل عن مليون نسخة، أو عندما أكتب نصاً لا يبحث عن هموم المجتمع ومعاناته لمجرد الاستهلاك كما هو الحال في أوروبا وأمريكا.

كيف ترى كأديب شاب قضية المجايلة.. هل هي مسألة صراع أم ضرورة حياتية؟
المجايلة بالرغم مما أثير حولها من القليل من الحقائق والكثير من الأوهام هي مسألة طبيعية وصحية كذلك. لا أرى أي حرج في الجدل الذي قد يستثار من وراء هذه القضية فهي ليست من أختراعنا نحن ولم نأتِ بشيء جديد، فهي التطور الطبيعي الذي يحدث عندما يأتي جيل ليتعلم من الجيل الذي يسبقه ويحاول أن يبزه وفي بعض الأحيان يتطاول عليه لكي يثبت مكانه في الساحة. لكن المشكلة تبدأ عندما نختلق الكثير من الصراعات والأوهام حول هذه الظاهرة الطبيعية لا يمنحها أي تقدم، بل وتضعف من قدرة الجيل على إثبات وجوده. اتركونا ننمو بصمت.

أنتم جيل يتمتع الآن بوسائل اتصال لم تتوفر لمن سبقه من الأجيال، بحيث أصبح من اليسير لكم الاتصال بكل مكان في العالم.. وهذه بالطبع من مميزات العولمة.. فكيف تنظر إلى العولمة عموماً.. هل هي على هذا المستوى من الإيجابية؟
ككل الاختراعات، سواء العلمية أو الاقتصادية، فللعولمة نصل ذو حدين، الوجه المستهجن والمرفوض من قبل الجميع هو ذلك الوجه الذي يمضي نحو تقليص ثقافات العالم واختزالها في ثقافة واحدة تسيطر عليها الثقافة السائدة أو المهيمنة والتي تمتلك أدوات اقتصادية وإعلامية وعسكرية تجعلها تسود على باقي الثقافات. العولمة حقيقة موجودة ولن تختفي بدفن رؤوسنا في الرمال، ولكن سنستفيد من توجهاتها لصالح ثقافتنا. إن العولمة هي الفرصة الذهبية للثقافة العربية للخروج إلى العالم، وبما توفره من كسر للحواجز الثقافية تمنحنا إمكانية تقديم الثقافة العربية للمساهمة في بناء ثقافة عالمية لها بعد إنساني معنوي ذو مدى أوسع من الثقافة التي تحاول أن تتسيد العالم. كما أن العولمة ستخلق مناخاً من احترام الآخر سواء في العالم العربي أو العكس للتعايش بشكل متكامل ومتساوي. يجب استغلال كل الوسائل التي لا تعرف حدوداً والتي وفرتها العولمة لكي نصل إلى أن نساهم في بناء ثقافة عالمية تدعو إلى التسامح ونبذ عقدة التعالي على باقي الثقافات بحجة التاريخ أو اللغة أو الإرث الإلهي.

من يعجبك من القصاصين الليبيين الرواد أو من قصاصي الجيل الثاني؟
الرواد الأوائل في الفن القصصي الليبي تعلمنا على أياديهم وما نزال وخاصة جيل الرواد في الستينات، يوسف الشريف، أحمد إبراهيم الفقيه، كامل المقهور، عبد الله القويري. كما أن الجيل الذي ظهر من بعدهم في فترات متفرقة من السبعينات والثمانينات لهم الكثير من الجهود في مراكمة التجربة وإيصالها لنا بشكلها الحالي في محاولة منا لإضافة شيء ما يكون زاداً للأجيال اللاحقة.

ماذا يفعل الكاتب حين يصدر عملاً ولا يجد من يشتريه..! هل يبيع الذرة المشوية أم يفتح دكاناً بسوق الخضار كبديل لسوق عكاظ؟
وماذا يفعل الكاتب إزاء كم هائل من التجاهل واللامبالاة، الكاتب في نهاية المطاف هو أبن لهذا المجتمع وهو جزء من حركته، لذا فمن الصعب عليه أن يمتنع عن الأكل والشرب والجري وراء لقمة العيش. ولكن حتى وإن فتح الكاتب دكاناً بسوق الخضار هذا لا يعني أنه أعلن الهزيمة ولكن هذا يعني أن يوفر لنفسه ولأسرته مساحة من الأمن المادي الذي يجب على أساسه أن يتبعه عمل دؤوب للكتابة والمثابرة وعدم رفع راية الاستسلام أمام جحافل الجهل والقبح، وحتى وإن استعملت الصحيفة التي نشر بها نصه لمسح زجاج السيارات، فلينظر إلى الجانب الكوميدي من القضية ففي النهاية وجد الآخر وظيفة للورق الذي يكتب عليه إبداعه، هل هناك عزاء أكثر من هذا العزاء.

يقولون أن هذا زمن الرواية، فماذا تقول أنت؟
السرد الروائي عالمياً أصبح هو اللغة الحديثة للأدب، وحتى في المشهد الأدبي العربي المفعم بجمالية الشعر فإن الرواية أصبحت شيئاً فشيئاً تستحوذ على قلوب الكثير من الكتاب والقراء، عربياً المسألة تكاد تكون واضحة، فيكاد نسمع في كل مرة أن هذا الكاتب أو ذاك صدرت له رواية، ومنهم من جاء إليها من عالم الشعر أو القصة، محلياً أرى بزوغ مرحلة جديدة للرواية في ليبيا بعيداً عن الأسماء التي أعتدناها في العقد المنصرم، الجيل الجديد يسعى لترسيخ الكتابة الروائية كأحد الألوان الصاعدة في المشهد الثقافي الليبي وأعتقد أنه لا ينقصنا شيء سوى الصدق في الكتابة.

العديد من المثقفين العرب يرون بأن المشهد الثقافي العربي يعيش حالة مزرية.. إن صحت هذه العبارة فأين تكمن أزمة الثقافة في الوطن العربي من وجهة نظرك؟
المشهد الثقافي العربي يسير حثيثاً للظهور بشكل جديد يختلف عما كان عليه منذ الستينات وهي الثقافة التي ما تزال تتحكم في الواقع الثقافي نظراً لهيمنة رموزها على المؤسسات الثقافية العربية الرسمية والمستقلة. إن أزمة الثقافة التي نعيشها أسبابها متعددة وليس أقلها محاولة توظيف الكتاب والمثقفين لتسويق رؤية المؤسسة الرسمية للثقافة، ومما زاد الأمر صعوبة مرور الثقافة العربية بأصعب أزمة في تاريخها من خلال محاولة تطويعها لتلائم هذا المعسكر الايدلوجي أو ذاك ومحاولة محو كل من يخالف هذه الايدلوجيا، فمبدأ من ليس معنا فهو ضدنا الذي ترسخ بعد الأحداث التاريخية في سبتمبر 2001 من خلال تسويقه دولياً وجدت فيه الكثير من الجهات مساحة لتسويغ تحكمها القديم والجديد بمجريات الثقافة العربية. ولكن بعد حقب من النكبات والهزائم لم يعد هناك من ملجأ للمثقف العربي إلا أن يعلو صوته فوق الجميع ليظل مسموعاً وذلك للخروج من هذه الأزمة بمزيد من القوة.

بعد احتلال بغداد.. هل نقول بأن أمامنا مأساة فلسطين أخرى؟
يبدو أن قدرنا أن نعيش المآسي المتكررة منذ قميص عثمان وحتى آخر مأساة وهي بغداد، والمستقبل ينذر بالمزيد مادمنا ما نزال لم نستوعب الخطر المحدق بمنطقتنا وخصوصاً على الصعيد الثقافي وهو الهدف من كل هذه الهجمة علينا. ويكفي أن أقول أنه لديننا أكثر من عشرين مأساة فلسطينية الشكل في وطننا المترامي، وما بغداد وسقوطها والاحتلال الذي يبرر انتهاكاته للكثير من القيم والمبادئ باسم الحرب ضد الإرهاب إلا جزء من المسلسل العربي المزري. إن نعيش زمن صراع الأصوليات والإيدلوجيات التي تدعو إلى إقصاء كل من هو مختلف عنا في الدين والثقافة والفكر. ما زالت المأساة في بدايتها وما علينا سوى التشبث بمكاننا أمام شاشة التلفاز لنرى المزيد.

ماذا تعني لك الحرية كقاص وصحفي في هذا الوقت العصيب، ثم ألا تعتقد بأن حرية المثقف أصبحت مهددة الآن في ظل الهيمنة الأمريكية على العالم؟
الحرية هي الهواء هي الأكسجين الذي نواصل به الحياة، مكانٌ بلا حرية هو موات، الجدب يملأه وحتى الحياة التي تسير عليه هي استمرارية في الشهيق والزفير إلى حين الموت الحقيقي، الحرية هي نقيض الموت. في وقتنا هذا ننشد حرية مسؤولة، حرية تمنحنا القدرة على استقراء الأحداث والعمل من أجل أن نستجلب المزيد من الازدهار، الحرية التي أضاعتنا لأننا لم نستنشقها من قبل هي ما يجب الكفاح من أجل اقتناصها من كل من يرى لنفسه الحق في تنصيب نفسه وصي علينا، إن الإمبراطورية الأمريكية الحديثة ومع وصول حكومة المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض أصبحت تنصب نفسها ليس فقط المهيمن والمسيطر على استباب مصالحها الأمنية القومية عن طريق الهيمنة العسكرية ولكنها تسعى للوصاية على ما تبقى لدينا من مساحة من الحرية المتاحة والتي نسعى للخروج من طوقها. ليس حريتنا فقط المهددة في ظل هذه الإمبراطورية ولكن ما هو أهم ثقافتنا وتفردنا وتميزنا عن باقي الأمم.

يقال بأن حركة النقد العربي تعيش مأزقاً حقيقياً.. وأنت كقاص عربي شاب كيف تنظر إلى حركة النقد العربي؟
يجب بذل المزيد من الجهد لممارسة حركة نقدية عربية تتوافق مع ما ينتج من أعمال، وسبق أن قيل بأن حركة الإنتاج الإبداعي تسير برجل واحدة ما دمت حركة النقد لا تسير معها، إن العدد اليسير من النقاد في الوطن العربي، وخاصة النقاد المبدعين هي أحد الأسباب التي تجعل من النقاد غير قادرين على متابعة النتاج الإبداعي. إن فعل الكتابة لا يتم إلا بعد أن يتم فعل القراءة، والقراءة لا تكتمل إلا بكتابة رؤية نقدية حول ما قرء، إذن لا يبدأ فعل النقد المكتوب الذي في حد ذاته فعل إبداعي إلا بعد أن يتم فعل القراءة وهنا ما أقصده بفعل القراءة، القراءة الفاعلة التي تنتج في العقل القارئ نصاً إبداعياً آخر هو النص النقدي، فإذا كان الكاتب يقوم بالكتابة ثم لا يتم هذا الفعل بأن يقرأ ما يكتب فإن المعادلة لا تتم. إن أساس أزمة النقد من وجهة نظري عدم وجود من يقوم بفعل القراءة الفاعلة التي تؤدي بالضرورة إلى الكتابة النقدية الإبداعية. إن الأزمة هي أزمة قراءة فاعلة منتجة غير متوفرة في المجتمع وأكاد أقول حتى بين الأوساط الثقافية. في نظري أفضل ناقد لما أكتب هو القارئ الجيد المتفاعل مع ما أكتب بغض النظر هل كان هذا القارئ متخصصاً أو غير متخصص.

الهوية العربية الآن مهددة أكثر من أي وقت مضى، فأين في اعتقادك تكمن مسؤولية المثقف لحماية هذه الهوية، وهو لا يملك سلطة القرار، وكذلك اللغة أصبحت مهددة أيضاً والسلطات العربية لا تفعل شيئاً في هذا الصدد، فما هو العمل؟
مسؤولية المثقف هو أن يستمر في الفعل، الفعل المنتج، كتابةً، قراءةً، تأليفاً. إن المثقف لا يملك إزاء سلطة القرار التي تملك زمام الأمور سوى أن يتحداها بأن يستمر في الكتابة أن يستمر في خلق الحياة، خلق الإبداع. لا يوجد ما يبرر أن نترك دورنا لكي يأتي من لا يملك أدوات الثقافة بأن يحل محلنا، ولا يجوز أن نتحجج بأن المثقف لا يملك سلطة القرار، المثقف في حد ذاته سلطة من خلال عمله الثقافي المنتج. العمل هو الاستمرار في الإنتاج الثقافي وبتحمل المسؤولية وأن لا تزيدنا الإحباطات المتكررة سوى إصراراً على المزيد من العمل والعمل.

أي سحر يكمن في اعتقادك في كون المرء مثقفاً؟
المثقف هو الذي يخلق الحياة بداخله، هو تجسيد لقدرة الإنسان على الوصول إلى أقصى حدود إنسانيته، المثقف هو الإنسان الذي يعبر عن هموم الوطن، هو من فيه تكمن مسؤولية حماية وصيانة ثقافة المجتمع التي تشمل كل ما هو مكتوب ومسموع ومشاهد. المثقف هو تجسيد للوطن. إنه سعي دائم للوصول إلى تحقيق المستحيل، المستحيل الحدوث.

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005