إن شاء الله تحج..!

عند اليوم الأخير سمع العم (أبو بكر) بعض الطلبة يضحكون ويردد أحدهم  "إن شاء الله تحج..!".. تمنى أن يقولوا له هذه العبارة، فمنذ زمن وهو يتمنى أن يؤدي مناسك الحج.. فها هو وصل  لسن التقاعد ولم تسنح له هذه الفرصة بعد.

   العم (أبو بكر) أو (عمي بو بكر) كما يعرف بين طلبة كلية الطب البشري قضى أكثر من ربع قرنٍ يعمل بمشرحة الكلية.. منذ أن افتتحت كلية الطب بطرابلس أوائل السبعينات، دخلها رجلاً يمتلئ بالقوة، فاحم الشعر، بعينيه الخضراوين الثاقبتين، وها هو الآن ممصوصاً، ذابل العينين رغم ما فيهما من توقد يدل على ذكاء و"زقاطة"، يحمي صلعته بطاقية بيضاء لا تفارقه صيفاً أو شتاءً. لم تضع السنوات التي قضاها عمي بوبكر في عمله بالمشرحة، فلقد حفظ جميع مصطلحات التشريح الإنجليزية عن ظهر قلب والتي يعاني الطلبة في استذكارها الأمرّين، يأتي كل صباح بدراجته "البيانكي" مجتازاً أشجار الزيتون القديمة حتى مدخل كلية الطب حيث يركنها بمحطة السيارات بعد أن يتأكد من دوران السلسلة المعدنية حول عجلتها، وإحكام القفل، وغير بعيد يركن أحد الطلبة سيارته "الطرحة".

**

رغم تجاوزه الستين إلا أن من يراه يحسبه في الأربعين بالرغم من تلك الصلعة والشعيرات البيضاء، لقد جعلته مهنته في حمل الجثث والأطراف البشرية أقوى من صوان. العم أبو بكر معروف بين الطلبة على مرّ السنوات التي تتالت على الكلية، فهو يحب مساعدتهم، فكثيراً ما تجده يقف معهم يتجاذب أطراف الحديث، يحدثهم على الأيام الأولى للكلية والمشرحة وكيف كانت هناك وفرة في عدد الجثث إلى جانب العدد القليل للطلاب في ذلك الوقت، ويعدد أسماء الطلبة السابقين الذين تخرجوا منها، والذين أصبح منهم أطباء مشهورين في ليبيا والعالم. لقد كان عمي بوبكر مقرباً من الطلاب، ولذا عندما علموا أنه ينوي التقاعد عند وصوله للسن القانونية، حاولوا أن يساعدوه بشتى الطرق للحصول على أمنية حياته بالحج.. لكن محاولاتهم باءت بالفشل.. ففي ذلك العام أصابت "القُرعة" زوجته للحج وأخطأته هو، وحاول بشتى الطرق، بتحريك الأكتاف وربما الأرداف لإقناع لجنة الحج ليكون مرافقاً لزوجته التي لا تستطيع الذهاب لوحدها دون محرم. لكنهم رفضوا التماساته وراح يجاهر بفجيعته أمام الكل " يالله دنيا عجب، العزوز تحصل على القرعة وشيبانيها ما يحصلهاش، باهي كيف تبي تمشي بروحها، يالله دنيا..!!" لكن عمي بوبكر الذي خبر الحياة لم يتوقف عند هذه الحادثة فما خفي كان أعظم.. "واللي يشوف مصيبة غيره تهون عليه مصيبته" مردداً جميع الأمثال التي تحث على الأمل ومواصلة الحياة، ومضى عم بوبكر إلى المشرحة تأكله سوائل الفورمالين الحافظة وتنسيه روائح تفسخ الجثث في الصيف القائظ معنى الجوع، وظل رغم ذلك يردد بسخرية المثل الجديد القديم "كان صبرت تموت حاجّ" ويردف "كان حصلت القرعة".

**

في العام التالي حصل زميله "عمي محمد" على القرعة هو زوجته للحج، وبالرغم من أن صحة العم محمد لم تكن أفضل من عم بوبكر، فقد تعرض قبل ستة أشهر لحادث أدى لكسر في كاحله الأيمن مما جعله يضعها في الجبس لمدة ثلاثة أشهر ولا يزال يستعمل العكاز في حركته، إلا أن فرصته في الحصول على القرعة ساهمت بالتعجيل في شفائه وبذا لم يبقْ من زملاء العم أبو بكر من لم يحظَ بلقب الحاج عداه هو وإن كان أحياناً يطلق عليه لقب الحاج، بين حين وآخر إلا أنه ينظر لمن يخاطبه بهذا اللقب شزراً ويمنحه ابتسامة صفراء ويقول له "إن شاء الله كلنا نحجوا.." ويردف مخاطبه "إن شاء الله أجمعين يا حاج"، ولكن العمر يمضي والصحة تنقص، والأيام الأخيرة من سنوات العمل تقترب..

**

بداية العام الجديد تعني الكثير للعم بوبكر، فبغض النظر عن كونها بداية جديدة وسنة أخرى من سنين حياته تضاف للسنوات الماحلات، فالسنة الجديدة تعني جثثاً جديدة بالرغم من قلتها في الفترة الأخيرة وتعني أيضاً أجساداً حية جديدة تتدافع لتأخذ مكانها حول مناضد التشريح لتتعلم، والنظرة الأولى التي يلقيها شباب في عنفوان الحياة على الموت المجسد أجزاءً مبعثرة أو جثة جاهزة للتبعثر، فكثيراً ما كان يساعد في إنعاش إحدى الطالبات التي فقدت وعيها أو يحاول تهدئة أخريات رحن يرتجفن من اللقاء الأول، بكوب من الماء أو إخراجهن لتنشق الهواء، وليس الطلبة الذكور بأحسن حالاً، فرغم القوة التي قد يدعيها بعضهم إلا أن كثيراً منهم يخرج من هذا اللقاء شاحباً وأصفراً مثل "الكركم"، وفي جميع الأحوال فإن عمي بو بكر ظل هو المساند للطلبة في رحلتهم الأولى إلى عالم لم يروه وإنما سمعوا بتندراته من الطلاب الذين يسبقونهم في الكلية.. البداية تعني عند عمي بو بكر التعرف على طلبة جدد أو أن يتعرف عليه هؤلاء الطلبة، وربما أول شيء يتعرف عليه الطالب هو عمي بو بكر الذي رغم السنوات التي تمر لا يعرف عنه إلا اسمه الأول فقط، فالعم أبو بكر هو عمي بو بكر ولا شيء غير ذلك.. عمي بو بكر مين وشكون وعلاش، لا أحد يعلم أو بالأحرى لم يحاول أحد أن يسأل تلك الأسئلة.. ولكن السؤال الأول الذي يتبادر للذهن والذي دائماً ما سئل عنه هو:

"قداش ليك في المشرحة يا عم بو بكر؟" فيجيب بمرح وهو يدق على جدران المكان..

"أني لما جت الشركة ووقعت عقد البني.. كتبوني فيه وبنوني مع المشرحة..!!"

**

 في ذلك اليوم وقبل أن يخرج من المشرحة، ألقى العم بوبكر نظرة أخيرة على أحواض الفورمالين والتي تحتوي على البقايا البشرية.. متذكراً القصص التي جمعته بهذه المشرحة، مع العديد من الوجوه الحية والميتة، علق معطفه الأبيض، وعدل من طاقيته ومضي خارجاً..

"خير يا عم بوبكر.. شنو الجو؟"

" الحمد لله.. كيف حالكم أنتم، كيف درتوا في الامتحانات؟"

"والله يا عم بوبكر اليوم كملنا الامتحان العملي الأخير متاع التشريح"

"وشنو مازالو ديرو هني.. هيا بالك روحو"

"ولكن حني خايفين من النتيجة"

"ما تخافوش، تشوفوا في مبنى السنة الثالثة اللي غادي، بروله ومعاش تجو للمشرحة مرة تانية، إن شاء الله ح تنجحوا"

"وأنت شنو مداير يا عم بوبكر؟"

" والله بخير.. قريب نطلع عل تقاعد"

" قصدك خلاص معا ش ح نشوفوك.. والله لما نستحشوك"

"بارك الله فيكم.. لكن نبي نسألكم حاجة واحدة"

"شنو يا عم بوبكر؟"

"بكري سمعتكم تضحكوا مع بعض وبعدين قال واحد منكم للآخر "إن شاء الله تحج" شنو معناها هذه الكلمة؟"

كانوا قد وصلوا عند محطة السيارات وراح العديد من الطلبة يسرع ليستقل مركبته للاحتفال بنهاية الامتحانات وهم يصيحون فرحاً ولم يعر أياً منهم انتباهاً للعم بو بكر .

"معليش يا عم بوبكر حني مستعجلين، نشوفوك"

" لكن.. لكن شنو معناها؟"

سمع أحدهم وهو يصيح والسيارات تثير الغبار

"هاذي صقع عليك يا عم بوبكر"

وغادر الطلبة تاركين العم بو بكر يستقل دراجته الإيطالية القديمة، بينما كانت الشمس تلقي بحرّها على رأسه.. رغم أنه شعر بالبرودة تعتريه في كل أطرافه.

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005