جائزة نوبل للآداب 2002 لكاتب مجري مغمور

امري كيرتيز.. نص ضائع بين المتاهات

جريدة (الزمان) العدد 1337 التاريخ 2002 - 10 -14

امري كيرتيز اسم لم نسمع عنه كثيراً في أدبنا العربي، وربما لم يسمع به العديد عالمياً، فيبدو أن جائزة نوبل في السنوات الأخيرة لم تعد تبحث عن الأسماء الكبيرة بقدر ما تبحث عن الأسماء المتوارية وراء قضايا عالمية مثيرة للجدل، ففي عام 2000 منحت الجائزة للمنشق الصيني جاو شيانغ جيان والذي لاقي شهرة في أوروبا لمسرحياته التي تنتقد النظام الشيوعي في الصين، وفي عام 2001 منحت الجائزة لخبير الأدغال، صاحب الآراء المتطرفة عن الإسلام والعالم الثالث، الكاتب البريطاني التريندادي المولد والهندي الأصل في. إس. نايبول، وهذا عام يستمر الجدل الذي تثيره الجائزة العالمية بمنحها للكاتب المجري أمري كيرتيز، والذي كتب أربع روايات فقط تدور معظم أحداثها، بل كلها علي المعاناة التي لاقاها اليهود في الحرب العالمية الثانية، وهو أحد الذين نجوا من معسكرات الاعتقال في اوشفيتز (الهولوكوست)، والمنظر الرئيس لثقافة الهولوكوست.
ولد الكاتب امري كيرتيز عام 1929 في العاصمة المجرية بودابست، وفي عام 1944 نقل هو وعائلته إلي معسكرات الاعتقال النازية في بولندا، وكان شاهداً علي التعذيب الذي تعرض له يهود أوروبا في هذه المعسكرات، إلا أنه نجا من الموت عام 1945 عندما حرر علي يد قوات الحلفاء بانتهاء الحرب، وبالرغم من أن الفرصة كانت مواتية له للهجرة إلي أوروبا الغربية، إلا أنه عاد إلي ما وراء الستار الحديدي، إلي موطنه المجر، حيث عمل في كبري الصحف اليومية، والتي طرد منها عام 1951 عندما تبنت الصحيفة التي يعمل فيها توجهات الحزب الشيوعي آنذاك. عمل منذ ذلك الوقت ككاتب مستقل، ومترجم للعديد من الكتاب من اللغة الألمانية، فترجم للفلاسفة جوته، شوبنهاور، نيتشه، وفرويد وتأثر بالعديد منهم. بدأ بكتابة روايته الأولي عام 1965 وصدرت عام 1975 بعنوان (اللا مصير) والتي تدور أحداثها حول أحد الأطفال اليهود والذي يساق وأسرته إلي اوشفيتز ويروي العذابات التي تعرض لها بنو جنسه علي أيدي النازيين والتي يري كيرتيز أن العالم الذي سمح بأن تحصل مثل تلك الجرائم هو عالم لا يستحق الحياة، وأن جوهر الحياة هو في مواجهتها وفي التوافق معها.
ويبدو أن هذه الرواية والتي هي سيرة شبه ذاتية للتجربة التي عاشها الكاتب في صباه أصبحت محور حياته كلها، أو كما قال بأنه ما زال وغيره من اليهود يعيشون بين جدران الهولوكوست وأنهم لا يستطيعون منه فراراً وأنه كلما فكر في كتابة رواية جديدة فإنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من التفكير باوشفيتز. إلا أن روايته الأولي قوبلت بالصمت في الأوساط الأدبية المجرية برغم أنها ترجمت في ما بعد إلي العديد من اللغات العالمية. في عام 1977 صدرت روايته الثانية (مقتفي الأثر).
تلا ذلك الجزء الثاني من ثلاثية الهولوكوست، بعنوان (الفشل) عام 1988 وهي استمرار لقصة الجزء الأول (اللا مصير)، أما الجزء الثالث فصدر عام 1989 (صلاة الميت (كاديش) علي طفل لم يولد). وفي هذا العام نفسه سقط الحكم الشيوعي في المجر مما أعطي لكيرتيز فرصة الظهور في أكثر من لقاء ومهرجان أدبي وثقافي وبدأ في إصدار مقالاته ويومياته التي كتبها في الستينيات وحتي أوائل التسعينيات من القرن الماضي والتي جمعها في كتاب بعنوان (يوميات سفينة) عام 1992 وهي تضم نصوصاً خيالية لحوارات مع كتاب من أمثال نيتشه، كامو، كافكا، سارتر وغيرهم.
جمع مجموعة من المحاضرات التي ألقيت في أوائل التسعينات في كتاب بعنوان (الهولوكوست كثقافة) 1993. جاء بعدها نصوص شبه روائية بعنوان (شخص آخر: مدونات التحول) عام 1997. تلا ذلك كتاب (لحظات من الصمت بينما تعيد فرقة الإعدام التلقيم) عام 1998 وهي أيضاً مجموعة من المقالات التي كتبت علي فترات متباعدة. كتابه الأخير صدر عام 2001 بعنوان (اللغة المنفية). كتب القصة القصيرة وصدرت في كتاب عام 1991 بعنوان (الراية الإنكليزية). تحصل عام 1995 علي جائزة براندبورج للآداب، وعام 1997 علي جائزة التفاهم الأوروبي من معرض ليبزيج للكتاب، وجائزة فيلت الأدبية عام 2000.
وقد ذكرت الأكاديمية السويدية التي تمنح الجائزة كل عام في حيثيات قرارها أنها (منحت لكتاباته التي تمسك التجربة الهشة لفرد في مواجهة الاستبداد الهمجي للتاريخ). كما أن لكيرتيز حضوراً كبيراً في الأوساط الألمانية. وإلي جانب أهميته كروائي، فإن معظم كتاباته الروائية وغير الروائية تعبر عن آرائه الفلسفية والسياسية، للتطور الاجتماعي لأوروبا. فهو أول من أطلق تعبير ثقافة الهولوكوست (الهولوكوست هو تجربة عالمية، حكاية رمزية كونية، وهذه التجربة قد كونت الثقافة التي تلعب دوراً بارزاً في التراث الأوروبي) وكما يقول أيضاً (فإن اوشفيتز هي أكبر صدمة في تاريخ أوروبا بعد الصلب، لمجتمع كان يدعي أنه جعل من القيم الأوروبية جزءاً من ثقافته). إلي جانب هذا يدعي كيرتيز أنه لا يعد نفسه يهودياً من وجهة النظر الدينية، ولكنه يعتقد بأن اوشفيتز قد جعلت اليهودية كديانة تنتعش وتزدهر.
من جديد تعود جائزة نوبل للآداب لتثير الجدل حول أهميتها الأدبية والفنية، بعيداً عن الصراعات الأيديولوجية التي بدأت الجائزة الدخول فيها، منذ منتصف القرن الماضي، وهو ما يجعلنا نقف لبحث جدوي الجائزة، وجدوي قيمتها الفنية والثقافية. بقي أن نشير بأن من أبرز المرشحين هذا العام كان الكاتب الأمريكي فيليب روث، والبيروفي ماريو فارجس يوسا، والكندية مارغريت اتوود، علي الرغم من الأكاديمية السويدية تحتفظ بسرية الأسماء الخمسة المرشحة للفوز كل عام. وتجدر الإشارة بأنني لم أجد أي مرجع يدل علي ترجمة أي من كتابات أو حتي مقالات امري كيرتيز للعربية حتي الآن

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005