في البدء كان الإنسان
هناك جملة من
المفاهيم المركزية داخل الوعي الديني السائد لم تتعرض لأي نوع من الاحراج
النقدي الحقيقي رغم تشكلها وتكونها داخل فضاء معرفي له محدداته وتحدياته
وتسؤلاته وشواغله المغايرة والمختلفة كل الاختلاف عن مايفترض أن يشغل إنسان
هذه اللحظة – إنسان التعددية والنسبية والانفتاح المطلق على الحقيقة –
ومع أن هذه
المفاهيم تشكل الإطار والخلفية المعرفية للمفاهيم العملية التفصيلية
الكثيرة التي تتولد وتتناسل كل يوم -بشكل يحيل ملاحقاتها فرادى- إلا أن ذلك
لم يولد استجابة على مستوى هذا التحدى، بل عوضا عن ذلك نرى حالة من التماهي
مع هذه المفاهيم والحركة من داخلها مع ممارسة نوع من التشذيب على نتواءتها
وحوافها بدون التجرؤ على الدخول في حوارات جادة حولها.
ونحن هنا لاننطلق
من أرضية تفترض بطلان هذه المفاهيم أو قصورها –فهذه الأمور نتائج لا
مقدمات- ولكن نفترض أن هذه المفاهيم يجب أن تمتلك داخلها مايؤهلها للدفاع
عن وجودها وحقها في الحضور والتأثير إذا ماتم طرح التساؤل حولها، وبالتالي
لابد أن يخرج العقل المتبني لها من حالة الهلع التي يعيشها إذا ماتم
مناوشتها أو التجرء على الشك في بعض علاقاتها أو متعلقاتها، بل من المفترض
إذا ماكان متيقنا من صوابيتها وفاعليتها إن يخضعها هو نفسه لما يمتحن
ذلك.
إذا هذه التساؤلات
التي تغص بها هذه النصوص لايفترض بها أن تأثير حالة عصابية عند القاريء
بقدر ماتخلق حالة تواصل ايجابية حول المعنى والصواب والحقيقة والتي يجب أن
تكون أبوابا مفتوحة على الدوام بالشكل الذي يمنع تكون حالة ركود تسمح
للمفاهيم الطلحبية بالتكون.
(1)
تتأسس نواة
القدسية داخل الوعي الإسلامي على التحديدات العلائقية بين الله
والإنسان، بإعتبارها العلاقة الأكثر أهمية ومركزية في منظومة الوعي
الديني. الله الموجود والفاعل والحاضر بإستمرار، في مقابل الإنسان
الضعيف والعاجز والمحتاج و الذي يجب أن يفنى عن نفسه تحقيقا لمقتضيات
العبادة والإنابة.
مفهوم الله داخل
هذه الرؤية يشكل حالة مضادة لمفهوم الإنسان وهو مزود بكل الأواليات
القادرة على مصادرة كل محاولة جادة لنفخ روح جديدة في هذا المفهوم.
وفي الحقيقة قامت
التفريعات والتفاصيل المؤسسة على مفهوم الله بوظيفة حقيقية في خلق فضاء
سديمي يعمل على تشكيل نفسه والإنسان المتحرك داخله لصالح المفهوم الموجه
وبشكل يقمع جل أشكال المشاغبة والتي من الممكن أن تفضي إلى فض بعض شفرات
هذه الرؤية عبر الكشف عن آلياتها المكونة والفاعلة.
فالله أصبح ذاتا
وأفعالا وصفاتا على غرار الإنسان، وإنقسم التوحيد إلى ربوبية وألوهية
وماتفرع عنهما من مقتضيات ومستلزمات تعمل كلها على إخضاع الإنسان وتذليله
لصالح مفهوم الله اللاهوتي الغيببي (بمعناه المصادر على العقلانية) والمغيب
للانسان والمانح لجمع السلطات للفئات المروجة له.
هذه العمليات
المركبة كان نتاج إشتغالها وتداولها تغييب مفهوم الإنسان وتسطيحه بحيث أصبح
مفهوم هزيلا لا يحوي في تجاويفه أي مقومات حقيقية تستطيع إقامة ندية حقيقية
للإنسان كمفهوم في مقابل الله كمفهوم داخل الوعي السائد. فالإنسان
هنا رغم كل الخطابيات الدفاعية التي تشيد بتكريم الله له وتقديره له، مفهوم
يحوي أعطاب تكوينية وتركيبية مانعة له من المدافعة عن وجود الإنسان وحقه في
الحضور الفاعل والمؤثر. فالإنسان لم يخلق إلا لعبادة الله، ولا يستحق أي
شكل من أشكال التكريم إلا بقدر إلتزامه بأوامر وتوجيهات الرب، والهدف
الأساسي الذي يجب أن يسعى لتحقيقه ويحرص على تنفيذه هو إرضاء الله وتجنب
عقابه وسخطه، والسعيد من فاز بالأخرة والجنة والشقي من دخل
النار...وداخل كل هذه التفاصيل الأخرويه تغيب السيرورة البشرية بكل
تفاصيلها الصغيرة وإحتياجاتها الكثيرة والمتجددة والمتغيرة، ومشتركها العام
القيمي والأخلاقي، وحتمياتها الضابطة والضاغطة ..
الإنسانية هنا
مفهوم ثانوي وهامشي وسجالي، في مقابل الربوبية المتمركزة والقارة والحيوية
والتي تشكل المنطلق والأرضية والمرجع لكل مفهوم أخر ، والذي يجب أن يتساوق
مع كل التهويمات والأوهام المتماهية والمحتفة بهذا المفهوم
المركزي.
تغييب الإنسان
كطرف حقيقي ومؤثر في العلاقة تكريسا وتضخيما لمفهوم الله بالمقابل، أخل
بكلية العلاقة، بحيث أنها في كثير من تجلياتها وتفريعاتها أحدثت تشويها
لمفهوم الرب وأختزلته في بعض أبعاده وجوانبه مع إقصاء وتقليص الأبعاد
والجوانب الأخرى والتي لا تتماشى مع ماإستقر في هذا الوعي ومع مايروج
له.
واقعة التنافي بين
هذين المفهومين تستوجب مراجعة حقيقية داخل المجال الأصلي المشكل لهذه
الرؤية، فالله كموضوع إيمان –الوجود العيني - غير الله كمفهوم إيماني متحصل
– الوجود الذهني-، سواء داخل ثقافة الفرد أو الجماعة المنتمي أليها.
فمفهومنا عن الله هو حصيلة تراكمات ثقافية مركبة واعية وغير واعية والتي
تشكلت عبر عمليات متراتبة ومتزامنة من التكييف والتشريط والتوجيه المانع في
أغلب الأحيان من تنسم نفحات الشك والتساؤل والمكرس لواقعة الخضوع غير
المشروط لهذه الذات المقابلة ولكل مايأتي من طرفها.
ولاشك أن المعادلة
الصحيحة الني يتقوم بها المفهوم تتأسس على استحضار طرفي العلاقة بما تقتضيه
طبيعة وجود وحضور وفاعلية كلا منهما، بحيث لايؤدي أي إخلال في نسب العلاقة
إلى حيودها عن مسارها، وذلك كله لايمكن إن يقع في حال تم تغييب طرف لحساب
الأخر الأمر الذي سيترتب عليه حدوث تشوهات في جسد العلاقة
وتفاصيلها.
(2)الراعي والرعية – مقاربة في النموذج السلطاني
أحد أكثر المظاهر
حدية لإشكالية العقل التراثي إعتماده آلية القياس كأداة إشتغال أساسية
لتحصيل المعرفة وتطويرها. هذه المعرفة المنتجة إعتمادا على آليات القياس
طالت جميع مناحي العقل التراثي من تشريع وعقائد وعلوم طبيعية، بحيث يعد نقض
القياس في جوهره ونواته نقض لكثير من المفاهيم المركزية التي تنتهض عليها
المنظومة العقدية والفقهية التراثية.
فالقياس كألية
إشتغال تعمل من خلال إثبات التشابه، لا تفيد من ناحية النسبة المعيارية
أكثر من إحتمال إشتراك حدي القياس في حكم واحد -أي تأسيس الفرض-، والذي يجب
أن تستبعه آليات تحقق من الإشتراك بين حدي القياس في الحكم إعتمادا على
الصفات الذاتية للحدين والحيثيات الداخلية للحكم وموضوعه. هذه الإنحسار
الوظيفي للقياس يفترض أن يستتبعه التساؤل حول ماتم إنتاجه من خلاله من حيث
ثبوته وقيمته النسبية ووزنه النوعي، هذا الأمر لايتسنى إلا من خلال عملية
مراجعة وشاملة للإساسات المشكلة للمعارف المتداولة
والسائدة.
هذا التقديم نرى
ضرورته عند تناول المنظومة العقدية التي تأسست من خلاله وإعتمادا عليه
كأسلوب خطابي مقنع -خصوصا للجموع- حيث يتم الإنطلاق من ماهو معلوم لديها
–وهو المحسوس غالبا- من أجل تشييد نموذج ماهو غائب عنها ولاتدركه –وهو
الإلهي هنا.
والسؤال هنا ماهو
النموذج المعلوم الذي تم إعتماده لتأسيس النموذج الإلهي من خلاله؟؟ّ!!.
نحن نعتقد أن
النموذج الذي تم تمريره واعتماده هو النموذج السلطاني الفارسي (الشاهد)
والذي يتأسس من داخله و على وفقه النموذج الإلهي (الغائب) لأسباب كثيرة
أهمها :
· غياب نموذج الحكم الفوقي
العربي.
· إنبهار العرب بالثقافة السلطانية
الفارسية (بحيث كان الغالب هنا هو المولع بتقليد
المغلوب).
· تأسس نموذج الحكم الأموي -
والعباسي بشكل أوضح- على مستوردات ومقتبسات النموذج
الفارسي.
· التداخل الثقافي الحاصل بين
الأجناس المختلفة داخل الحقل المعرفي الديني، مما خلق تصارع النماذج، الأمر
الذي سيحدث كثير من التأثيرات والتداخلات الواعية وغير الواعية بين النماذج
فيما بينها.
وفي الحقيقة
لايمكن تهميش مجموعة من الإشكاليات المعرفية الأساسية هنا، وهي:
· أن التجريد مرحلة متقدمة من
النشاط العقلي، وبالتالي هناك نوع من المحدودية في تداول منتجاته ومركباته،
بينما التشبيه وضرب الأمثلة يظل الفاعلية الأكثر تأثيرا عند إنتاج خطاب
للتداول الجماهيري لإعتماده على المحسوس والشائع.
· الظرفية الحاكمة للعقل والتي
تعمل على تشريطه وتكييفه بشكل يجعل من العقل محكوما بكثير من المحددات التي
تمنع أو تحيل إمكانية طرح قضايا أو إشكاليات داخل وسط أو مجال ثقافي أو حقل
معرفي لقيامه على ثوابت ومرتكزات تتنافي في العمق مع التساؤلات الممكن
إنطراحها، الأمر الذي يفضي إلى خلخلة بنية الوعي بشكل لاتستطيع الذات
إستيعابه او التعامل معه وبالتالي تبقى هده الإشكاليات خارج مساحات الممكن
التفكير فيه.
هذه الإشكاليات
سمحت بإمتياز بتسرب وتغلغل النموذج السلطاني الفارسي وتقديمه لنفسه على أنه
التصور الأمثل للذات الإلهية المقدسة البعيدة عن الإدراك والمسيجة بالغموض
والإطلاق غير القابل للعقلنة. فالله أصبح داخل هذا النموذج هو القادر
والمريد والفاعل بإطلاق لا يحده شيء ولاتحكمه ضرورة والذي لايلتمس لفعله
منطق إلا داخل إرادته المستعصية على الإدراك والممتنعة عن الفهم. فأصبح
التصور محكوم بعبثية سلاطين ذلك العصر وطغيانهم غير المبرر
واللامحدود.....والشريعة المتأسسة على هذا التصور للإله أصبحت شريعة غيبية،
النص هو مدارها ومحورها لا بإعتباره حامل للمعنى بكل مبررته وظرفياته، بل
بإعتباره حامل للأمر المطلق غير المحكوم بعلة ولاظرف –من حيث المبدأ أي إن
التعليل يأتي تفضلا-، وساد التعبير القائل أن الشرع قاضي والعقل حارس،
فللقاضي أن يبرر حكمه أو يعتمه حسب مايراه عنده. وساد الإكتفاء بالنصوص
المبتورة التي لاتحمل تبريرا أوتحديدا وتم تاسيس قراءات لازمنية لاتحترم
طبيعة الأمر العيني ولا محيثاته، بل تكتفي فقط بالتوجيه إعتمادا على الحالة
التي تم خلقها داخل وعي ونفسية الجموع المنقادة تحت دواعي الخوف والرجاء،
والتي ليس من حقها أن تتسأل ولا تعترض فلاإجتهاد مع النص، واختفى الفارق
بين النص وفضاء النص، والذي من طبيعته أن يكون مفتوحا على كافة التفسيرات
والتأويلات إعتمادا على مسقطات الوعي وممكنات النص، أي حمله لمقومات
الثقافة التاريخية المنتجة له ...
فليس للرعية أن
تسأل أو تعترض على سائسها، فبحق الملكية له أن يفعل بها مايشاء ولامعقب
لحكمه، ليس لها إلا أن تحسن طاعته وتداوم على الإنقياد له، وهذا أفضل أحوال
العبودية وأكثرها إبرازا لمقام السالك الطالب لرضى الله.
إن وضعية القطيع
بإعتبارها التموضع الطبيعي للعلاقة داخل الوعي السائد، متجذرة بشكل
يحيل كل إمكانيات التحاور معها أو مسألتها من داخلها، وليس بإمكان مروجيها
تصور أي شكل أخر للعلاقة، يعيد الإعتبار للإنسان وكرامته وعقله الممتهن
بإمتياز من داخل كل تبريكات الفلاح في الدنيا وحسن المآل في
الآخرة....
(3) الإنسانية ممكنات التشكل
الإنسانية كنظرية
في القيمة تقوم على مجموعة من المفاهيم الأساسية كالكرامة والحرية والعدل
والمساواة، يمكن ببساطة تلمس ملامحها داخل التجربة النواة، والتي من
المفترض أن تشكل الإطار المرجعي الوحيد لتلمس الشرعية النصية – لا
بإعتبارها الشرعية الوحيدة المطلوبة بل بإعتبارها المرجعيه المانحة
للوعي الوصف بأنه إسلاميا-. وهذا يمكن إستجلائه، بمراجعة سريعة
للنص المركزي (القرآن)، والتفصحات المتواترة عن النبي في تعامله مع مواليه
وخصومه لا من أحاد الوقائع بل من الوقائع المتكاثفة والمتواترة. بحيث
نستطيع بدون أي عناء إثبات حمل هذه المنظومة لجينات وعي حقوقي إنساني
حقيقي، والذي ظل وعي ممكنا بالقوة لا بالفعل ولم يتشكل كواقعة إجتماعية
فعلية تؤسس للعلاقة داخل الجماعة المنتمية لهذا النظام
القيمي؟؟!!
البحث هنا ينصب في
سياق التحري التاريخي عن المعوقات التي منعت بروز وتطور هذه المفاهيم إلى
شكلها الذي نعرفه الأن رغم وجود بوادر حقيقية لها، أي أنه حديث عن الثوابت
القارة والظرفيات المستجدة التي عملت على تحديد دفة الحركة القيمية فيما
يخص النسق العلائقي الإنساني بإتجاه تهميش المحددات السالفة وعدم تكون
نظرية تنتمي للفضاء الإسلامي حول الإنسان وإحتياجاته وحقوقه وواجباته
بالمعنى (المعاصر).
يمكننا
إجمال هذه الأسباب في العوامل التالية:
· الخلفية
الدينية للثقافة: داخل الثقافة الإسلامية العربية تعد المفاهيم الدينية من
العتلات الرئيسية الموجهة للوعي، وبشكل إجباري ملزم، والتي عملت على ترسيخ
وتكريس مفاهيم الشأن المقدس ولم تحفل بالإنسان إلا من داخل التداخل الناشيء
مع هذا الشأن. وذلك نتيجة ل:
Ø الإرتباط
العضوي بشخص النبي وتوجيهاته، الأمر الذي يعني التبعية له ولتوجيهاته حيا
او ميتا.
Ø الإفتقار إلى ثقافة
مكتوبة سابقة للإسلام، وكان المكتوب من ثقافة العرب هو شعرها، والذي عد
ديوان العرب.
Ø المدينيوية
النفسية للعامل الديني الذي حول العرب من أمة الشتات إلى أمة في قلب
التاريخ، تعمل على صنعه وتحديد مساره، شأنها شأن الأمم التي كانت إلى أمد
قريب لا تظن أن بإمكانها مجاراتها أو مقاربتها.
Ø الإتفاق الضمني على
الإسلام كإطار مرجعي مشترك، بحيث أن كل وجهة نظر لكي تجد من يدعمها لابد
لها من تلمس المشروعية لنفسها داخل الإسلام.
Ø القراءة القبلية الريعية
للإسلام، والتي تعقدت وزاد إرتباكها بالتلفيقيات المضافة من الثقافات
الأخرى الدخيلة.
· الصراع
السياسي التاريخي الذي لبس حلة صراع مفاهيمي في كثير من الأحيان، مما حمل
الجو الثقافي دائما عبء البحث عن إجابة للإسئلة المنطرحة داخل هذا الصراع،
ومنع تطور البحث العلمي في المفاهيم القيمية.
· سيادة العقل
السجالي والذي يجد نفسه دائما في مواجهة خصم ما عليه ردعه وقمعه، الأمر
الذي سيطبع جل البحوث في المجال القيمي بصبغة الجداليات والحواريات
الإيديولوجية، والتي لا تصلح في العادة للمراكمة المجدية والمطورة
للمفاهيم.
· التداخل
الثقافي الذي حمل طابع الإنتقاء والتوظيف تكريسا للأمر الواقع وإجابة عن
الإسئلة والقضايا المستجدة على هذا العقل وهذه الثقافة، بحيث نجد أن
تاريخية هذه الثقافة تجد معناها الحقيقي في عمليات التوظيف والتوظيف المضاد
للثقافة اليونانية والفارسية والهندية.
هذه العوامل التي
حاولنا إختزالها وتكثيفها هنا، عملت مجتمعة على تكريس إيديولوجية دينية
أحادية صراعية نافية للمخالف ومدجنة للموالي، لحساب المستفيدين من المنظومة
القيمية البديلة والتي تمددت واستطالت بحيث أنها إستطاعت حجب ممكنات
التجربة النواة من ناحية الموضعة المختلفة للإنسان في قلب التاريخ والكون
والحياة.
وتعد محاولة إثبات
وجود وعي حقيقي بالإنسان كقيمة مقدسة في مقابل القيمة المقدسة الأخرى –
الله – داخل المدونة الرسمية عملية تأويلية عبثية إنتقائية تلوي أعناق
الحقائق التاريخية والمسلمات الدينية الناطقة بشكل حاد وصارخ بخلاف
إدعاءتها ومستخلصاتها. فالمدونة الرسمية يتمحور مركز الثقل فيها حول مفهوم
الإيمان، والذي يعمل حاكما على الناس، بحيث تنقسم البشرية إلى فئتين فقط
هما المؤمنين الذين يجب موالاتهم ونصرتهم ، والكفار الذين يجب معاداتهم
والتبرء منهم، ويستمر هذا التقسيم في الإشتغال حتى داخل الحظيرة الإسلامية
بحيث ينقسم المسلمون إلى مبتدعة وغير مبتدعة، والمبتدعة إلى مبتدعة عقائد
وأحكام، وغير المبتدعة إلى فساق عصاة وغير فساق وعصاة....الخ، بحيث تفضي
عملية السبر والتقسيم هذه إلى وجوب موالاة الفئة المنتمي أليها كل فرد على
حساب كل الفئات الأخرى والتي تختلف في مدى إبتعادها بحسب مخالفتها، بغض
النظر عن كل عوامل الإتفاق الكثيرة الأخرى. ومن داخل هذا المنظور الإيماني
يتم تقسيم كل شئون الحياة إلى مايرضي الله ومايسخطه، فيدخل في مجال الشريعة
وسلطة الفقهاء كل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان، الأمر الذي يضعه تحت سلطان
هؤلاء الفقهاء وسطوتهم!!!!!؟؟؟؟؟
والغائب الأبرز في
هذا الفضاء هو المشترك الإنساني كثابت يجب إعتباره والإنطلاق منه لتأسيس
كثير من المفاهيم والتوجهات والسلوكيات، والذي تنحى منذ البداية جانبا تحت
ضغط مفهوم العبودية والذي لايعطي ولايسمح بأي مساحة للتساؤل حول إمكانية
الرؤية من أي زاوية أخرى لكل هذه الشواغل والقضايا وبالشكل الذي يتم إعتبار
الإنسان فيه كطرف أساسي في معادلة الدين والإيمان وبحيث يتم النظر إليه من
حيث كونه إنسانا له كرامته وإعتباريته المؤسسة والمتعالية على كل انتماء
عقدي.