مشهدية عند حافة
الجحيم
إلى عبد الدائم
اكواص...
(1)
بداية الطريق لا
تنتهي.. هنا عند ما قبل الحافة بكابوس أجدني أسرع إلى الجحيم وهناك
ما هو مزيد مما لا يقال.. في البعد تلوح شمس باردة تبحث عن دفء ظل
يعيد جحيمها الملتهب.ز في اليوم الأول من القيامة التي تسبق اليقين
ضربت موعد معه.. ملاك بلا أجنحة يسير أشعث ينحني فوق الرمال يذروها
فوق رأسه.. يصيح أن الصاخة قادمة.. في اليوم الأول قبل القيامة
الميتة التقيته. بعد الموعد غادرني وقد حمل معه لعنة المكان.. قال
لي أن لا أفيق من الكابوس، الحلم لا يجدي فتمسك بكابوسك خلاصك بعد
أربعين.. لم يحلق في السماء كما الملائكة.. سار مبتعداً مطأطئ
الرأس يعلوه سواد الفرح المستحيل. سئمت لعبة الانتظار فقررت أن
أبدأ الرحلة حتى الحافة فالقيامة لن تأت في هذا الموضع من الأرض
المجدبة.. تذكرت قبلها حياة سابقة عاشتني وتركت ذاكرتها بأطراف
أصابعي.. قريباً.. بعيداً.. مستوياً على بقايا البحيرة الجافة..
بعد الألف بخطوة وقفت أفتش آثاري.. بلا أثر تابعت ما يجب أن
أمشيه.. بعد البداية وقبل القيامة بحافة..
(2)
لم تتضح الصورة في
البداية.. مشاهد مبعثرة تستميت لتقوم على أنقاض عوراتها
المستباحة.. أمامي ما يشبه الجبل.. مرتفع ثم منحدر.. ما كان يمكن
أن يطلق عليه بحراً استحال إلى بخار خانق من الغازات السامة.. هل
هذا الجحيم؟!.. لا أدري لما أخبرونا أنه مكان قبيح.. ما أن بدأت
رحلة عودتي إلى قارتي الصغيرة في اتساعها اللامنتهي حتى وجدتني
بالقرب من البحيرة.. هنا قفزنا في المياه الضحلة نمنح لطفولتنا
المراقة دماؤها بعضاً من الحياة المنهوبة منها.. المكان لم يعد هو
المكان، أسوار عالية من الأسلاك المتشابكة تحيط به.. عند البوابة
تقف مجموعة من الكائنات تحمل بنادقها ترقباً لفعل الخيانة. وراء
الأسوار ألمح صورتي المنعكسة على صفحة البحيرة صورتي الآخذة في
التضاؤل أمام الركام الذي يقبع في قاع الأخدود.. فعل الخيانة
يتضخم، يسرع الوحش في الهرب خوفاً من وحشيته. أقف انتظر جحيمي أن
يسود ويعلو، أتركه هناك واقفاً بالقرب من حماقته وأعود إلى ما تبقى
من أشجار صنوبر أمسح عنها الحزن والحنين. هل هذا هو الجحيم الذي
أخافونا منه..؟! كم هو رائق وهادئ.. تذكرت ملاكي المذموم.. المطرود
من صحبة الإله.. كاد أن يقع في المعصية لكنه أبى أن يسلم بالأمر..
أتخذ مكانه بين جحيمي والبحيرة وراح يعد القطرات المتساقطة من سماء
لا تعرف الرحمة.. لوحت بيدي عله يرني.. كان وجهه بعيداً عني..
مولياً إياه شطر الأفق المغبر من قطع الصخور بالمحجر.. أمسكت
الأسلاك المتشابكة تبعثرت أصابعي.. هززت الشباك.. لكن خيانتي وصلت
حدها الذي يجب أن ينتهي عنده.. خرجت صرختي مكتومةً.. حدث كل هذا
بعد أن سألني.. "هل أنت بخير..؟!!" أجبته " إنها تمطر وقد لا نرى
الشمس الليلة"....
(3)
ما أن فرغت من
نفسي جاءني يطلب المزيد من النعيم بحثت بين أرجاء الصحراء
المترامية، حجارة خشنة على مدى الأفق الذي يبتلع المياه الساقطة من
حميم السماء.. هنا لا حياة إلا للملح.. يتكلس على امتداد اللاشيء..
بقع من مياه هنا وهناك لا جدوى من رشفها فهي ليست أكثر ملوحة من
مياهنا.. صورتي تنعكس على الصفحة السوداء للبحيرة.. أعمق.. أعمق
يغوص بجسده في الساحقة.. تركته بحثاً عن مياه أشد ملوحةً.. عند
الخمسين كيلومتراً من الواحة استوقفني وأجبرني على النزول من دابتي
المعدنية.. منحني نظرة الفرح وأحالني على نزقه الغوغائي، أدخل يده
في جرابي واستخرج أحشائي.. بعثر سوءتي على الأرض أمام الجميع..
رمقني بنظرته التائهة مجدداً حاول نزع شعري.. ظنه مستعاراً..
استسلمت له.. أدخل يده في فمي أحسست بها تخرج من مؤخرتي.. التفتيش
دقيق.. لا شيء.. تشرق شمس لا تحمل الضوء.. ظلال من التفاؤل الحذر
تمنحني ركعتين للإله.. طفق علي بحجارة الجحيم ألملم سوءتي، أعود
لأستقل دابتي.. أتجه شمالاً حيث البحر يشق طريقاً للأمل..
(4)
يندفع اخضرار مشع
من أشجار زيتون بعمر الكيان، أقف على عتبات المدخل الأمامي تقابلني
الأعمدة المرمرية تأتيني نفحات لحظات النهاية قبل البداية تلك..
ارتدي البياض وأواصل السير بوثوق على البياض.. أسمع صوت الجد
يأمرني بمواصلة التحرك..ألتقط ابتسامة المعافى وألصقها على وجهي
لأعود نظراً.. أخرج ولم تزل الشمس في مسيرها نحو الشروق.. عبق
صنوبر بعشرات السنين.. صورة أخرى للنعيم. قهقهة الجد وهو يغمس لي
قطعة عجين الشعير في بياض اللبن.. وأنا أحملق بطفولتي في شعيرات
لحيته البيضاء.. أكلها وأمضي خارج أسوار الزاوية ابتلع ذلك الزمان
الجديد..
(5)
جلست بالقرب منه..
عند الحافة.. وجدته يتأمل السكون الذي أمتد بعد أن دوى الانفجار..
أسقط.. أحمله على الكلام.. أنظر إليه لا أبالي بما حدث.. " هل قررت
السفر أخيراً؟".. أحسبه لم يشعر بوجودي قربه.. أحسست به يرتعد ربما
من حجم ما سيأتي.. زفر ثم تململ في مكانه " نعم يبدو أن لا مفر"
قلت له" تتساقطون مثل الذباب أمامي" محيلاً ذاكراته إلى الأصدقاء
يرحلون من أمامي دون وداع، قررت حينها أن أقطف أوراقهم وألقي بها
في الهاوية وراء الحافة.. نظر إلى بدا أنني لا أعرفه، ورقة أخرى
تسقط هناك.. "يبدو أننا غير جديرين بهذه الأرض.. لذا نخونها"..
هززت رأسي أعدت على مخيلتي ما كتبته في زمن ما وأهديته إياه.."كنا
هناك أطفالاً علقوا أحلامهم في ذيل خطيفة، وتاهوا بين الأشكال
السداسية والألوان البرتقالية والبنية والخضراء.." ... "بما تفكر
؟". أجبته بلا تردد " أفكر بالرحيل." قرأت الاستغراب على وجهه " هل
سترحل أنت كذلك.." كانت الحافة تزاد حدةً ونحن بالكاد نحمل أنفسنا
على أن لا نقع في الهاوية القريبة.. أجبرت ابتسامة مؤودة على
الالتصاق.. " لا بد من الرحيل زمرة نحن الشَمال وفرد نحو الشِمَال،
زمرة نحو الشروق.. نحو الوميض.. البصيص.. البريق.. الشهيق.. نحو
النحو، وفردٌ نحو الداخل.. نحو الباطن.. نحو المغزى، فردٌ اختار أن
يكون رحيله كبيراً.. كبير".. تذكرت أحدهم يوم سقطت ورقته بالقرب من
البحر عند الميناء وأنا أحاول أن أعيد بعضاً من أحلامه القديمة..
"أ مازلت في ضلالك القديم..؟!" هكذا صاح بي.. لم أكن أعلم أن
الأوراق تتساقط بسهولة ما أن تهب الرياح الجليدية من الشمال.. قررت
أن أكون ورقة أنا الآخر وأن أسقط في أنايّ الباطني.
حملت حقيبته
اليتيمة حتى باب الطائرة.. كلانا يكره المطارات وصخبها.. قبل أن
ننطق بوداع لا يليق بنا كانت الطائرة قد أقلعت. كان النصل ينزف
دماً، انعكس وجهي القتيل على أحد حوافه بينما كانت ابتسامته قاتلي
تشع عند تلك الحافة الأخرى.. سمعت الصيحة الثانية.. اعتقدت أن
الجميع سينهض من أجداثه، يعودون من حيث أتوا يعلو وجههم سواد
الندم.. لكن لا شيء يحدث.. هذه خدعة أخرى تغتالني.. اتفق على
العودة لوحدي.. بعد سؤاله المفاجئ "ماذا عن حالة الجو عندكم" أجبته
"أنا لست بخير.." علمت حينها أنني قط سقطت....