كاتب هاجر إلي بريطانيا فأنكر ذاته الباكستانية

حنيف قريشي... الهوية المفقودة

جريدة (الزمان) العدد 1373 التاريخ 2002 - 11 - 25

(منذ البداية كنت أريد أن أنكر ذاتي الباكستانية.. كانت لعنة وأردت التخلص منها. أردت أن أكون مثل الجميع)
في مجموعته القصصية الجديدة (الجسد) يستمر الكاتب البريطاني المولد، الباكستاني الأصل حنيف قريشي الدوران حول مشكلة الهوية، هوية الأنا والآخر، ومثل معظم أعماله السابقة سواء المسرحية أو السينمائية أو حتي الروائية يبقي هذا السؤال مفتوحاً، لا ينتهي بإجابة شافية، وربما هذا مرجعه إلي حياة الكاتب نفسها، فهو ينتمي إلي عائلة من المهاجرين الباكستانيين الأوائل إلي بريطانيا، لكنه لا يحمل من هذا الأصل غير المظهر الخارجي، فحتي اللكنة التي تطبع البريطانيين الأسيويين لاوجود لها علي الإطلاق علي لسانه، إنه الجسد الأسيوي والجسد فقط، هو الذي يمنح الإنسان هويته المتبقية من عهود سحيقة وهو ما يبحثه من خلال قصته أو روايته القصيرة (فهي تضم 127 صفحة من الكتاب) التي عنون بها مجموعته الحديثة والتي ضمت أيضاً 7 قصص أخري.
ولد حنيف قريشي ضمن أسرة من المهاجرين الباكستانيين، العام 1954 بمنطقة بروملي بإنجلترا، وخبر منذ طفولته الفوارق العرقية والثقافية التي كان يعيشها المجتمع البريطاني ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد الحقبة الاستعمارية. قرر حنيف أن يصبح كاتباً في سن مبكرة، والتحق بجامعة لندن لدراسة الفلسفة، واضطر لإعالة نفسه بكتابة النصوص الجنسية تحت أسم مستعار (انطونيا فرينش). وبعد بداية متواضعة بالمسرح الملكي البريطاني، أصبح الكاتب المقيم بالمسرح وعرضت أولي مسرحياته العام 1976 بعنوان (تبليل الحرارة)، ثم العام 1980 (الأم البلد) التي فازت بجائزة تلفزيون ثايمس المسرحية. لكن قطعته الرائعة (خط فاصل) والتي تدور حول مشاكل المهاجرين بلندن منحته شهرة واسعة العام 1981 تلتها في العام نفسه مسرحيته (ضواحي) وكلتاهما عرضتا علي خشبة المسرح الملكي. في العام 1984 دخل قريشي عالم السينما من أوسع أبوابه من خلال ترشيح أول سيناريو يكتبه (مغسلتي الجميلة) لجائزة الأوسكار لأحسن سيناريو للعام 1985. في العام 1990 عاد قريشي للظهور من خلال روايته شبه السيرة الذاتية (بوذا الضواحي) وهي تروي حكاية شاب آسيوي يبحث عن هويته الضائعة في ضواحي مدينة لندن التي تمتلئ بالمهاجرين من المستعمرات البريطانية السابقة، وهي الرواية التي فازت بجائزة وايتبريد المرموقه للرواية الأولي، وتم تحويلها إلي سلسلة تلفزيونية عرضت علي شاشة الـ(بي بي سي) العام 1993. العام 1991 دخل قريشي تجربة الإخراج من خلال فيلمه (لندن تقتلني) والذي قام بكتابة السيناريو كذلك وركز فيه علي حياة الشوارع، وعصابات المخدرات في لندن. العام 1995 صدرت روايته الثانية (الألبوم الأسود) والتي دارت حول حياة شاب باكستاني الأصل يقع في معضلة الانتماء إلي أصدقائه المسلمين وحبه لصديقته البيضاء. مجموعته القصصية الأولي صدرت العام 1997 بعنوان (الحب في زمن الحزن)، واقتبست منها قصة (إبني المتشدد) لإخراجها في فيلم العام 1998. في العام نفسه صدرت روايته الثالثة (حميمية)، وهي الرواية التي ظهرت علي الشاشة الكبيرة بالعنوان نفسه وفاز بجائزة الدب الذهبي عن مهرجان برلين السينمائي. العام 1999 عرضت مسرحيته (نامي معي)، لتصدر في العام 2000 مجموعته القصصية الثانية (منتصف الليل كل اليوم)، وفي العام 2001 صدرت روايته الرابعة (هدية جابرييل). العام 2003 سيشهد ظهور فيلم قام بكتابة قصته بعنوان (الأم).

قصة مسرحي
تبدأ أحداث روايته القصيرة (الجسد) من خلال سرد قصة مؤلف مسرحي في نهاية السبعينيات من العمر يشكو من ترهل الجسد وذبول قوته، ليتعرف بعدها في أحد الحفلات علي شاب قوي البنية معجب بمسرحياته، يدرس التمثيل، ويخبره أنه قد شاهد وحضر عروضه المسرحية التي مر عليها أكثر من ربع قرن من الزمن، برغم أنه لم يتجاوز العشرين من العمر جسدياً، ليخبره بحقيقة أمره، وأنه قد يكون أكبر منه في العمر وأنه استطاع أن يستفيد من أبحاث طبية سرية لزراعة دماغ الشخص في جسد فتي يختاره بنفسه، ولأنه يحب المؤلف المسرحي المشهور، ويري ما تحول إليه حاله الجسدي، واقترابه من الموت، يعرض عليه أن يقوم بالعملية نفسها التي قام بها لتجديد شبابه، وليستمتع بالحياة ويضيف خبرات جديدة علي حياته.
وبشكل فانتازي/ رمزي، يسرد المؤلف العجوز، قصة وصوله إلي المستشفي السري والمحاط بحراسة مشددة، لنتجول في المستشفي الخالي إلا من الأطباء والممرضات وبعض العجائز الذين يستعدون لامتلاك جسد جديد، وبالطبع العشرات والعشرات من الأجساد الشابة، لأشخاص توفوا لأسباب متعددة، أجساد بيضاء، سوداء، داكنة، من ذوي الشعر الاكرت، الناعم، الأسود الفاحم، الأشقر، الأحمر الناري، ولك كل الحرية في الاختيار. وتستمر أحداث القصة المثيرة بمقاطع سردية طويلة حول أهمية الجسد كهوية، وأهمية أجزائه التي قد تجلب لك السعادة أو قد تجلب اللعنة.
يختار العجوز جسداً فتياً ويستعد لإجراء العملية، بعد أن يشترط أن يحتفظ بجسده القديم مدة ستة أشهر وهي مدة الاختبار، التي يقرر بعدها الزبون إن كان يريد الاحتفاظ بهويته الجديدة أم أنه يريد استعادة جسده القديم. لكن الأحداث لا تسير بهذه السهولة، فالمؤلف بهويته الجديدة، يدفع ضريبة تخلصه من هويته القديمة، سعياً لهوية لا يمتلكها، تنتهي بالمؤلف الجسد الجديد وحيداً، لا ينتمي لأحد وغريباً علي هذه الأرض.
وبرغم غرابة الفكرة ونحوها باتجاه الخيال العلمي، فإن فكرتها التي تدور حول البحث عن الهوية وهو الموضوع الذي يرتكز عليه أدب قريشي، فإن معالجته للفكرة بهذه الطريقة المبتكرة منح الرواية/ القصة شكلاً جديداً، يؤكد علي أنه بالإمكان الاستفادة من جميع الأدوات المتاحة لمناقشة فكرة واحدة بعدة طرق دون أن تفقد الفكرة بريقها، أو أن تستهلك من كثرة استعمالها...
(كنت غريباً علي الأرض، لا أحدٌ بلا شيء، منتمياً إلي لا مكان، جسداً وحيداً، كتب عليه أن يبدأ مجدداً، في كابوس الحياة السرمدي) (من قصة الجسد 2002).

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005