الإمبراطور

... بحر داكن يصطخب.. ريح شمالية تضرب الساحل الرمادي منذرة بعاصفة عاتية.. منتصف الصيف، والجو ما زال مضطرباً.. الحصان يسير متئداً علي حافة الشاطئ وآثاره ترسم خطاً متعرجاً حتي بداية الجرف الصخري، عند انعطافة الخليج.. تمايل الجسد النحيل علي صهوة الجواد، بدا ساكناً، لا حراك فيه، مرخياً العنان لحصانه يقوده.. بينما عباءته الرومانية الصوفية يحركها الريح في محاولة لانتزاعها.. توقف الجواد.. نزل فارسه بهدوء.. اقترب حتي الماء.. ألقي ببصره نحو البحر المهتاج.. أرخي عباءته من حول رأسه، مواجهاً العاصفة.. الريح تضرب آثار السنون والحروب المرسومة علي وجهه.. تتململ شعيرات لحيته الرمادية الكثة.. عيناه ترومان الوصول إلي ما خلف الأفق البليد، إلي بحرٍ أكثر هدوءاً وألقاً في مثل هذا الوقت.. بحر في البعد تتألق الشمس علي صفحته الناعمة... قطعت موجة عاتية، برذاذها الذي بلل وجهه، سفره في تلك الأبعاد المشعة.. عاد إلي حيث البرد والعتمة.. انسابت القطرات من خلال شعيرات وجهه لتصل شفتيه المتيبستين.. ازدرد القطرات المالحة علّه يزيل المرارة التي علقت بحلقه منذ زمن.. نكس رأسه وتنهيدة حارة تنمو بصدره.. لتخرج صرخة تواجه العاصفة الكالحة:
-  أين أنت يا بحر لبدة
*؟ أين أنت أيها الوطن؟
                                       *** *** ***

الوحل يزداد .. والبرد يزداد.. الجندي يحث فرسه علي الإسراع.. تقترب القلعة.. يتوقف.. يمضي إلي قاعة الحكم.. ينحني أمام العرش:
- ماذا عندك أيها الفارس؟
- مولاي أنا قادم من الشمال.. لقد حدث أمرٌ ما في (يورك)
*..
- ماذا حدث؟ هل الإمبراطور مريض؟
-كلا..!! ولكنه.. لكنه...
- لكنه ماذا؟
- مولاي الإمبراطور قد اختفي.. اختفي..!!
                                                 *** *** ***

سكون الفجيعة ينداح فوق الرؤوس.. صمت العاصفة التي ستأتي تنذر بالخطر المحدق بالأجساد المبعثرة علي طول المدي.. سار أخوته علي رأس الموكب مرتديين ملابس الحداد علي (الشديد)، الذي نهشه الألم في مفاصله وجسمه.. نظر (جيتا) تجاه النعش المحمول علي عربة تجرها الخيول.. تذكر الكلمات الأخيرة التي قالها العجوز.. تذكر لكنته الإفريقية التي لم تفارق لسانه رغم السنين الطوال التي باعدت بينه وبين موطنه..(أنا الآن رجل عجوز ومعاق، إنني أورث لإبنيّ دولة مستقرة إذا أحسنا التصرف أما إن أساءا فسيخسران كل شيء).. ثم ابتسم بعد ذلك وقال (دعونا نكمل عملنا..). كيف اختفي الإمبراطور وهو في حالته تلك.. كان جيتا برفقته طيلة الوقت.. دمدم.. ما نفع ذلك الآن فالرجل العجوز استحال رماداً..
                                                 *** *** ***

... مضي شهر منذ اختفي الإمبراطور.. بدا أن العثور عليه أصبح من المستحيلات بعد أن خرجت الحملات في كافة الجزيرة البريطانية دون أن تعثر عليه.. كان كمن ذاب من شدة ألمه واختفي عن الوجود.. كل الذي وجد هو حصانه الذي عاد بعد يومين معفراً برمال البحر..
- يبدو أننا لن نجد الإمبراطور يا أخي.
كان (كركلا)
* يتحدث بنبرة يائسة مع أخيه
- أهٍ.. لو أدري كيف استطاع وهو بحالته المرضية.. شبه معاق أن يمتطي حصانه ويختفي دون أن يراه الحرس.. أنا السبب لقد كان تحت رعايتي.. فقط لو أعرف أين اختفي أو ما الذي حدث له..
أردف (جيتا)
- بعد شهر من البحث.. ومع مناوشات قبائل الشمال.. أرجو الآن أن نجد حتي جثته.
- ما الذي تقوله يا كركلا.. جثة من تقصد.. أبونا لم يمت.. وحتي إن حدث ذلك، فلا يجوز لك قول ذلك..
- يجب أن نجد حلاً وإلا ضاعت الإمبراطورية.. إن وراءنا روما تنتظرنا.. ثم.
- هذا كل ما يهمك الحكم والإمبراطورية.. أحياناً أحس أنك لست ابن الإمبراطور..

- ماذا تقول أيها الوغد..!
أمسك كل من الشقيقين بتلابيب الآخر وكادا أن يشتبكا، كما في أيام نزقهما الطفولي..
- سيدي.. هناك أخبار من يورك!
صاح الحاجب الذي اقتحم عليهما المكان.. اعتدل الشقيقان وصاحا معاً:
- ماذا لديك أيها القائد؟
وقف الفارس مرتعداً يضغط عليه وقع الخبر الذي يحمله..
- سيدي.. لقد وجدنا.. وجدنا جثة في أقصي الشاطئ قبل الأسوار الإمبراطورية..
- جثة.. جثة من؟
- لا ندري، ولكنها كانت متفسخة وقد نهشتها أسماك البحر..
- وماذا بعد؟..
- وجدنا شيئاً معلقاً في رقبتها.
- وما هو هذا الشيء؟
أدخل قائد الجند يده في جرابه ليخرج ذلك الشيء المبلل ومده للرجلين الواقفين.. أمسك جيتا بتلك القلادة فما كان منه إلا أن أسقطها.. وتلاشي من القاعة.. أما كركلا فحدق إلي تلك القطعة المعدنية والتي تحمل نقشاً لاسطورة الحظ.. لقد كان الإمبراطور.. الإمبراطور وحده يحملها دائماً..

                                                 *** *** ***
بدا أن الطريق إلي المثوي الأخير لن تنتهي.. وبدا أن القصة لم تبدأ بعد.. كركلا يسير باعتداده علي رأس الموكب متأملاً الزرقة الأفقية البعيدة حالماً بروما جديدة تستقبله.. روما الحمائم والأقواس والقصور المرمرية.. روما النصر والعزة.. ألقي ببصره علي النعش.. (أخيراً انتهيت أيها العجوز.. أصبحت لا شيء، أمجادك التي لم تتخلْ عنها حتي آخر لحظة من حياتك الصاخبة أصبحت لي أنا..) هبت نسمة باردة علي صاحب الرداء الفرنسي.. هفت إلي روحه أمجاد وأحلام.. كانت الأرض أمامه ممتدة بجرار النبيذ المعتق والنساء الجميلات.. لكن ما أزعجه، رائحة كريهة لرماد ما زال يحترق..

                                                 *** *** ***
نفاذة وخانقة كانت رائحة الجثة المتفسخة التي جيء بها إلي القلعة ذات غسق حزين.. لم يستطع جيتا أن يتأمل الجسد المهترئ أو ما تبقي منه.. سجي الجثمان في غرفة الإمبراطور.. تم إعداد مراسم تشييعه إلي روما.. وإلقاء النظرة الأخيرة.
اقترب كركلا من الجسد.. ورغم أن دلاءً من العطور قد دلقت إلا أن الجو ظل عابقاً برائحة غريبة ألقت علي المكان مشاهد الموت.. وقف بالقرب من الجثمان.. امتدت يده لكشف الغطاء.. راعه ما رأي، وجهاً صار جمجمة يعلوها بعض اللحم، أسنانها المهترئة بارزة..
(لقد أصبحت جثة نخرة أيها العجوز.. ها أنت الآن لم تعد تستطيع حتي أن تتعرف علي نفسك.. لقد انتهيت.. لم يعد ينفعك إلهك، لم يحمك إله حظك..).
اقترب كركلا من الجمجمة وراح يتكلم بسخرية كأنه يهمس في أذنه..
(ربما نجوت في ذلك الزمن.. لقد قال لك المنجمون انك ستموت علي ظهر حصانك ولكنك لم تمت) أمسك كركلا بالجمجمة المهترئة.. واستمر في مناجاته المجنونة..
"هذه الجمجمة لم تتحطم في ذلك اليوم وحتي بعد أن كسرت لم تمت ولكن ها أنت الآن مجرد عظام وبقايا لحم خرب متعفن.. نعم أنت الآن..!"
اتسعت عينا كركلا وهو ينظر ناحية الجمجمة التي يمسكها بين يديه، اقترب منها أكثر تراجع للوراء وأمسك بأقرب قنديل قرّبه من الوجه أو ما تبقي منه.. تراقص الظل علي تضاريس الوجه المتفسخ.. اقترب بوجهه من أعلي الجمجمة تحسسها بأصابعه.. كانت صرخات الفجيعة تعلو داخله لكنه أخمدها.. جمدت ملامحه.. شعت ابتسامة علي الوجه البارد.. التفت متراجعاً نحو الباب وأغلقه خلفه وأمر الحرس بأن لا يدخل أحد الحجرة الإمبراطورية.. مضي بخطي واثقة عبر الممر الحجري وراء الباب، كانت النيران تتراقص وتلعب لعبتها الجحيمية ولم يخرج من خلفه سوي رائحة لحم يشوي.. وأنّات روح تحتضر..

                                                    *** *** ***
تقترب الشمس من مغيبها.. رحلة نحو الأعماق البعيدة للأفق، الجنود يسيرون عبر شوارع المدينة الصغيرة.. المدينة التي ما تزال تتذكر المشاهد الأخيرة للصراع النهائي علي الكرسي.. المدينة التي سقط فيها رأس كركلا وهو يستقبل أول أيامه في هذه الدنيا المستمرة نحو المجهول.. كان جيتا قد خرج عند أطراف (ليون) يستريح من عناء السفر ويلقي بناظره نحو الجبال المتلفعة بالبياض.. وهي تتحول إلي نيران وردية مع هذا الغروب القصير للشمس.. أما كركلا فكان يحتفل بوصوله إلي موطن ولادته، ترجل جيتا عن حصانه المطهم، وسار مسافة بين الوديان المتصخرة.. وقف متطلعاً إلي الألب مستشفاً من خلاله معالم روما الوطن والمستقر، والتي لم يعتبرها الإمبراطور كذلك..
لقد كان يقول وطني هناك عبر هذه الزرقة.. ردد في آخر أيامه أنه يتمني أن يترك الحكم ليرجع إلي تلك المدينة المتخلفة في أفريقيا، ليعود لمهنة أبيه، صياداً. يرجع عند المساء ليشوي سمكاته البسيطة.. لكنه عبر ذلك البحر ليجوس أوروبا فآسيا وعبر هذا الأبيض الشامخ إلي (ليون) ليجلس علي العرش الإمبراطوري، كم كان ذاك العجوز شرساً في قتاله.. كان فيه عناد الإفريقي وصبر الصيادين.. ولكنه في لحظات الصفاء والهدوء يجلس عند الشرفة متطلعاً نحو الأفق البحري صانعاً خيالات لمدينته الأم.. حالماً بانتهاء حياته فيها.. ولكن حياته انتهت بأبشع مما تصور.. نعم قد تكون انتهت في البحر بين الأسماك لكنه انتهي مجرد جثة خربة.. ثم رماداً تذروه الرياح وأين في أقصي مكان في العالم هناك في الشمال حيث البرد بحر من رماد والكآبة ليلة سوداء، كانت الجبال كتلة من الرمادية المقبضة تنذر بالمستحيل.. عاد أدراجه صوب المدينة.. يرقي إلي سمعه صراخ الأحياء وعذابات الاحتراق.

                                                 *** *** ***
"لقد كان الحريق رهيباً.. يبدو أن الريح قد أسقطت أحد القناديل فأحرق الحجرة الإمبراطورية"، هكذا فسر الحرس ما حدث في الليلة السابقة عندما تحولت الحجرة التي يرقد فيها الجثمان، كتلة من الفحم وذرات من الرماد.. لم يتبق من تلك البقايا البشرية ما يمكن أن يسع إناءً متوسط الحجم..
اقتحم جيتا حجرة كركلا بعنف.. انتفض من مرقده، بينما هرعت الجارية المتلفعة بردائها مسرعة خارج الحجرة.. وقف جيتا بالقرب من فراش أخيه المسترخي باطمئنان.

- قل لي الآن ما الذي حدث ليلة البارحة؟
- وما الذي حدث؟
- ......
- أتقصد ذلك الحريق، يبدو أن أباك حتي وهو جثة هامدة لم يعد ينفعه إله حظه الذي كان يؤمن به..
رد كركلا ببرود، وهو يجلس علي حافة السرير أمام الموقد تلفح حرارته جسده العاري..

- لقد احترق الإمبراطور، ولم يعد منه ما يمكن دفنه.. ألا تفهم معني ذلك..
- الإمبراطور، الإمبراطور.. لم يعد هناك أي إمبراطور، لقد مات، تفتت، احترق.. ترمد ألا تفهم أنت معني ذلك.
صاح كركلا بنزق وهو يضع علي جسده الأبنوسي عباءته الأميرية وينتعل خفه.. اقترب جيتا منه..

- اخبرني، إنني أشك أن هذا الحريق كان مفتعلاً.. ألم تكن أنت آخر من خرج من الحجرة ليلة البارحة..!!
- .......
- لا تريد أن تجيب.. أيها الجبان..
استل جيتا سيفه واندفع نحو أخيه يطرحه أرضاً.. دون أن يبدي كركلا أي ردة فعل تجاه ذلك..
- ماذا تريد أن تعرف.. ها.. أتريد أن تعرف الحقيقة.. حسناً.. أنا من أشعل النيران بالأمس ولكني فعلت ذلك من أجل الإمبراطور..!
- وكيف ذلك أيها الكاذب؟
- وهل تعتقد أنه بإمكاننا أن نعود إلي العاصمة بجثة قد نهشتها الحيتان.. أيليق هذا بالإمبراطور..!
- لا تحاول تبرير جريمتك.. لطالما كنت تكرهه وتنتظر ساعة غيابه ليخلو لك الأمر.. ولكن هيهات.. فأنا لك بالمرصاد.. فلتحذر مني يا باسينوس.. فلتحذر.
ارتخت ذراع جيتا التي تحمل السيف المصلت علي عنق أخيه، واستدار خارجاً من الحجرة.. بينما رائحة الدم تنبعث من النصل تبحث عن روح أخري لتجتثها..

                                                *** *** ***
غسلت الدماء روما.. هذه الأعمدة الرخامية، والأقواس المرمرية.. تحولت عبر تاريخها الطويل إلي سجل للدماء التي امتدت علي مساحتها.. وعلت رائحتها السماء، كانت العاصمة تستعد لأن تبدأ حقبة جديدة.. دخل الموكب الإمبراطوري تسبقه رايات الحداد علي الإمبراطور الفقيد.. واتجه الموكب وعلي رأسه الشقيقان.. إلي (السبتيزوديوم) القوس الرخامي الضخم الذي بناه الأفريقي تخليداً لفتوحاته في آسيا الوسطي ضد الفرس، مر الموكب عبر القوس ليسجي النعش تحته.. انفض الحشد.. في مجلس الشيوخ عقدت جلسة ليتم تنصيب الحاكم الجديد.. لكن كركلا منع الجلسة من الانعقاد وأمر الشيوخ بالعودة لمنازلهم وعدم ممارسة أي أعمال سياسية وإلا سيتعرضون للقتل كما منعت كل الخطب والتعليقات في مجالس المدينة.. وامتد علي بياض الرخام رمادية ضاربة إلي السواد، تلبدت الغيوم الحمراء المحملة بالغبار.. تساقطت في ذلك اليوم أمطارٌ حارة، متربة مائلة للاحمرار كأن الدماء تنزل من الأعلي..
وقف كركلا بالشرفة يتطلع إلي هذا الجو الدموي.. يتطلع إلي المدينة وهي تكتسي بالرمال الحمراء وكأنها تحترق من جديد.. وكأن نيرانها لم تخمد.. حدث نفسه (اليوم يجب أن ينتهي كل شيء.. يجب أن يصبح كل شيء لي.. أنا وحسب..) توجه لغرفته علّه يستريح من عناء هذا السفر المضني...
- يبدو أن هذا الجو يعجبك..
اعترضه جيتا وهو يسير بالممر، كان لا يزال بثياب القتال المغبرة..
ابتسم كركلا وأردف متهكماً بالقول:
- جو رائع.. حتي أنني فكرت في الخروج للتنزه بالمدينة.. أتريد أن تأتي معي..
دخل الاثنان الحجرة.. صاح جيتا:
- ما هذا الذي تفعله.. أنت تعيد نفس الأخطاء التي ارتكبها أبونا الإمبراطور، كيف تعطل مجلس الشيوخ الذي نستمد شرعيتنا منه، أتعتقد أنك بذلك.. تحل المشاكل التي تعصف بالإمبراطورية.. ثم أليس من الواجب أن تطلعني علي قرار كهذا قبل أن...
التفت كركلا، وصاح بغضب:
- اسمع.. لقد سئمتك.. لقد كان أبي حكيماً عندما قتل وسجن تلك الحثالة المسماة مجلس الشيوخ.. إنهم ليسوا أكثر من عجائز لا تهمهم سوي بطونهم وحفلات الخمر.. ما فائدتهم؟.. ألم يحكم والدنا الإمبراطورية لأكثر من عشر سنوات بدونهم.. وما الذي حدث؟ لقد استقرت أركان الدولة.. ما نفعهم ما دمت أستطيع أن أحكم لوحدي..
اتسعت عينا جيتا..
- لقد أوصي أبونا أن نحكم هذه الإمبراطورية نحن الاثنين، أنت بصفتك إمبراطوراً، وأنا القيصر والقنصل الأول، فلا تقل إنك تحكم لوحدك وإلا فستندم.. ومنذ الغد يجب أن يعود المجلس لممارسة مهامه ويجب أن تعود كافة المؤسسات والقوانين المعطلة للعمل..
حرر كركلا نفسه من قبضة أخيه وألقاه أرضاً.. سقط الصمت مغشياً علي المكان.. ومن وراء الباب كانت الفجيعة تستعد لأن تبني قبراً من الطين لروح تائهة أخري.. وقف جيتا ومضي خارجاً من الحجرة وقبل أن يفتح الباب.. قال له كركلا وهو يضحك بعنجهية:
- عزيزي جيتا.. أذهب لتستريح من عناء السفر.. وفي كل الأحوال أنا آسف لأن أقول لك ان ما تقوله لن يحدث فأنا الإمبراطور، الحاكم الأوحد.. أنا فقط من يأمر هنا، ويجب عليك أن تتعايش مع هذه الحقيقة.. أذهب لتنام أيها العزيز.. أذهب..
سدد جيتا نظرة تنضح بالموت امتدت حتي بؤبؤ كركلا، ليخرج بعدها من الحجرة..
وقف كركلا أمام النافذة.. يسمع الباب يغلق.. استمر المطر الدموي بالتساقط تلك الليلة.. وعند الصباح كان للأرض لون الدم ورائحته وطعمه..

                                               *** *** ***
امتد الأفق أزرق داكناً.. فجر بدائي لعودة الحياة.. صمت الأمواج علي حواف الرمال الرطبة.. تمتد لتقف ثم تتراجع.. تمتد حتي القدمين العاريتين.. تتراجع تاركة إياها مبللة لتجف مخلفة خطوط الملح والرمل.. أصوات الأطفال تأتي من وراء الأجمة القريبة.. لعب ونزق البراءة يقتل الماضي المؤلم.. يتسابقون في الشوارع المبلطة.. يلعبون..
- لنختار من سيكون إمبراطوراً لهذا اليوم..
وآخر...
- لقد جاء دوري، كلٌ منكم أخذ نصيبه
- وليكن كذلك.. فليحيا الإمبراطور..!!
صاح الآخرون وهم يرفعون الطفل الذي كان أقصرهم وأضعفهم بنيةً..
- عاش الإمبراطور..!!
ساروا به تجاه القوس، وقفوا تحته، أجلسوه علي مصطبة رخامية.. وصاحوا من جديد..
- عاش الإمبراطور..
خفتت الأصوات.. تباعدت.. طغي صوت الموج المتلاطم علي الرمال الذهبية.. كان القارب يقترب، نزل شيخٌ لا تستره سوي قماشة علي وسطه.. ينز عرقاً وملحاً.. نزل علي الشاطئ يحمل علي كتفه رزق هذا اليوم.. بضع سمكات اصطادها.. ألقي بحمله علي الرمال.. وقف مرسلاً بصره شمالاً.. الشمال البعيد.. الشمس في مغيبها.. عوالمه السابقة المندثرة.. تمتم بصوت خافت.. هامساً للريح.. "أخيراً يا بحر لبدة.. أخيراً!".
تنفس بعمق.. استرخي، حمل صيده.. ومضي إلي المدينة.. تلاحقه أصداء الأطفال في لعبتهم يصيحون..

" عاش الإمبراطور.. عاش.. عاش.. عاش…"

___________________________________________________________

* لبدة: ليبتس ماجنا أحد أهم المدن الأثارية على الساحل الليبي.

* يورك: مدينة في شمال انجلترا.

* كركلا: الابن البكر للأمبراطور الروماني سيبتيموس سيفيروس ولد في مدينة ليون وأسمه يعني عباءة فرنسية لف بها عندما كان طفلاً.

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005