أزمة الكتابة

مجلة  المقتطف الإلكترونية 2003

عندما تطالع الدوريات الأدبية الأجنبية لاستبيان الكتب المنشورة حديثاً، تكتشف حجم المأساة التي يعيشها الكاتب العربي عموماً والكاتب الليبي المتأزم بشكل خاص، فالكتاب في صدوره الأول والذي قد يطبع منه مائة ألف نسخة في البداية قد يبيع ما يزيد عن 20,000 نسخة في الأسبوع الأول لطرحه في الأسواق وذلك في سوق واحد هو بريطانيا فقط (أي النسخة البريطانية) ومع مرور الأسابيع يزداد هذا الرقم باطراد مع نجاح الكتاب متزامناً مع حركة نقد ومتابعة جادة من قبل معظم دوريات الكتب المتخصصة أو حتى الملحقة بالصحف الكبرى، وقد يصل بالكتاب أن يبيع النصف مليون نسخة في سنته الأولى فقط هذا بغض النظر عن الكتب الكبيرة والتي تبيع الملايين، هذا من جانب، أما الجانب الآخر فهو كثرة الأسماء، بل لنقل ظهور أسماء لكتّاب جدد سنة بعد أخرى، وهنا لا نتكلم عن أسماء متمرسة في الكتابة الصحفية أو حتى الأدبية وصلت لسن معينة وخبرة في الكتابة تؤهلها لإقناع دور النشر الكبيرة لطباعة ونشر وتوزيع كتبها، وإنما نتكلم عن كتّاب شباب في بداية العشرينات من العمر أو كتاب لم يمارسوا لا الصحافة ولا أي نوع من أنواع الكتابة الأدبية من قبل ولكن ظهرت موهبتهم نتيجة تفاعل صادق مع موضوع كتابهم، وهو ما يثبت أن دور النشر التي قد يقال أنها دور تجارية تسعى للربح فحسب، وبذا فإنه لا يمكن لها أن تجازف بالنشر لكاتب صغير مهما كانت روايته أو شعره جيداً، يثبت أنها تبحث عن الإنتاج الجيد بغض النظر عن السن أو التجربة، هذه الناحية الثانية من الموضوع، أما الجانب الثالث والمهم والذي يعول عليه المشتغلون بالنشر في الدول الأجنبية (أتحدث عن بريطانيا بشكل خاص) هو إقبال الجمهور على شراء الكتب الحديثة والدفع بأكبر قدر ممكن من الدعاية والعروض لبيع كتبها، والسعي لغزو طبقات أخرى من المجتمع لمزيد من تحقيق الفائدة، سواء الفائدة المادية لهذه الشركات التجارية ومن ثم تعميم الثقافة والإبداع على المجتمع.
قد يقول البعض، وبعد، ما الجديد الذي قد يطرح في هذا الموضوع، لقد سمعنا بهذا من قبل، ما الذي تريد الوصول إليه، حسناً هم أفضل منا وهم يحسبون لكل شيء حسابه، وتلك حياتنا وما الذي يمكن تغييره؟ أنا هنا لست بصدد التحدث عن حلول وإلا لكنت هجرت اللغة العربية واستعنت بمخزوني المتواضع من اللغة الإنجليزية لتعلمها أكثر حتى أصبح من ضمن الفئة التي تباع كتبها بالآلاف، ولكنني فقط أعبر عن مفارقة عايشتها كلما دخلت مكتبة في بريطانيا للتنزه كالعادة وملاحظة عادات القراء في ارتياد هذه الأماكن التي قد يزورها مواطننا العربي مرة في العمر، والليبي نصف مرة في حياته وذلك لأنه أخطأ في الدخول لمحل البقالة المجاور للمكتبة، أنا هنا أحاول أن أسأل لماذا هكذا هو وضع الكتاب في الوطن العربي، وليكون سؤالي أكثر دقة وتحديداً وإن شاء البعض إقليمية لماذا وضع الكتاب ومن ثم الكاتب هكذا في ليبيا، ما هو الخلل في معادلة تضم العديد من المحددات تبدأ بالكاتب، ثم الكتاب، ثم دور النشر والتوزيع والمكتبات، وأخيراً القارئ، إلى جانب التقاطع الذي يجب أن يتم مع حركة نقد ومتابعة من قبل عدد من المطبوعات الثقافية إما المتخصصة أو الملحقة، هذه ربما تكون أهم المحددات لنجاح ثقافة ما أو لفشلها في الربط بين الكاتب والقارئ، بين أهم فعلين أبدعتهما الحضارة الإنسانية، الكتابة/القراءة. أين يكمن الخلل، أم أن المعادلة لدينا ليست هكذا، هل هي تبدأ بكاتب يكتب هنا أو هناك، ثم ينشر في صحافة لا يخرج نطاق توزيعها عن الشارع المجاور لهم، وقد لا يسمع بأنه نشرت له مشاركة، لأنه لم يتحصل على نسخة من المطبوعة لنفاذها، ليس لأن القراء استعملوا لغة الأيدي ومزقوا بعضهم أرباً في قراءة الصحيفة مثل ما يحصل في الجمعيات الاستهلاكية، مع صناديق الموز أو التفاح، ولكن لأن المطبوعة الفلانية طبعت نسخ محدودة جداً، لسبب أو لآخر. نرجع لمعادلة الكتابة/ القراءة لدينا، فهي تبدأ بكاتب يمارس فعل الكتابة في محرابه، ويفرح لنشر نص له في هذه الصحيفة المحدودة هنا أو هناك، ويصاب بالإحباط أو يهدد بهجر الكتابة لأن مشاركته الأخيرة، التي لم يسبقه فيها أحد في العالم، لم تنشر، ليس لسبب فني ولكن البريد أضاعها أو لأسباب مجهولة في أروقة الصحيفة المحدودة التوزيع، أما حين ينشر كاتبنا في أحد المطبوعات العربية فذلك يعني أنه قد وصل للعالمية، وإنه لن يكون هناك مزيد من النشر في المطبوعات المحلية التي لم تعد ترقى لمستوى طموحاته، أما أقصى ما قد يصل له طموح الكاتب هو أن يمنح فرصة إلقاء نصوصه في أمسية أدبية سيحضرها أصدقاءه أو زملاءه في مهنة الكتابة، وعلى أقصى تقدير زملاء دراسته أو العمل الذين دعاهم لحضور الأمسية على استحياء مخافة أن يسأله أحد المثقفين في أدب السوق "وشنوا ح تبيعوا، دلاع ولا خوخ؟". وبهذا السؤال ينتهي طموح كاتبنا، ويستمر في اجترار ما كتبه لأنه لم يعد يجد ما يدفعه لمزيد من الإبداع والحلق، لا أحد استوقفه ليقول له أنه قد قراء مقاله أو نصه، أو أن كاتباً آخر، قد كتب في الصحيفة المحلية ذاتها لتحليل تلك القصيدة أو القصة، لم يحدث هذا، وتبقى معادلة الكتابة لدينا هي الكاتب يكتب لينشر في مطبوعة هنا أو هناك وليقرأ نصاً هنا أو هناك على أحد الكتاب وعادة ما يكون وضع هذا الزميل شبيهاً بوضعه وانتهى الأمر، وتمر السنوات، ويزداد حجم الإنتاج في الحقيبة ذاتها التي قد يكون قد اشتراها بأول وآخر مكافأة بسيطة تحصل عليها بعد معارك مع المطبوعة المحلية المحدودة ذاتها، وذلك ليثبت للجميع، هذا إن كان هناك جميع، أن الكتابة تنتج مالاً، ويبقى متأبطاً الحقيبة ذاتها لعشرة سنوات وهي تزداد انتفاخاً، وتزداد عدد مخطوطات الكتب في الدرج، بين ديوان شعر ومجموعة قصصية أو فصول من رواية أو حتى عمل مسرحي، ويبقى الكاتب ينشر كتابه في مخيلته، وتبقى أسماء مخطوطاته تلك تزين نهاية سيرته الذاتية والتي تنتهي بعبارة بين قوسين (تحت الطبع) ليبقى الكتاب في هذه الحالة الغريبة يطبع لسنوات وسنوات، لو قام فيها بنسخه بآلة النسخ وشد أجزاءه بالدبابيس لكان قد نشر عدد كافي من نسخ كتابه الجديد تكفي لأن تنفذ الطبعة الأولى في خلال سنتين ربما أكثر وربما بقليل من التفاؤل قد يستطيع أن يحصل على مبلغ لنسخ الطبعة الثانية. أما من يحصل على مبلغ من المال بطريقة أو بأخرى لا داعي لذكرها، ليدخل في صراع مع المطابع المحلية لطباعة ألف نسخة أو أقل من ذلك بالسعر الفلاني، ليخرج الكاتب بعد هذه التجربة التي قد تمتد بين عدة أشهر وأحياناً سنة ولديه خبرة في أنواع الورق، وأنواع الحبر، وقد يصمم بنفسه الغلاف، ففي النهاية كله فن، وتصبح لديه خبرة في مراحل طباعة الكتب، هذا إذا لم يسجل في قائمة الموظفين الدائمين في المطبعة، وعندما يصدر الكتاب فإن اللعنة تلحق بكاتبنا العزيز إلى الأبد، فلديه صناديق من كتابه الذي يريد توزيعه، وعندما يحصي عدد المكتبات في مدينته فقط ويقسمها على عدد كتبه يحس بالتفاؤل، الذي يدوم حتى لحظة محاولته توزيعه عند عمك الحاج، الذي هو أحد مثقفي السوق كذلك، وهو المؤمن بمقولة (خود واللى خلي)، وتنتهي تجربة الكاتب بأن يلعن اليوم الذي خط فيه الحرف، وتبقى الكتب في صناديقها تنتظر الغبار. أما الوسط الأدبي فسوف يلاقي مبادرة الكاتب التي ستوصف أنها شجاعة لحد التهور، أو أنها مجازفة محفوفة المخاطر، وقد تنظم أمسية احتفائية للكتاب الجديد وذلك بعد جهود شخصية مضنية من قبل الكاتب يضيع فيها نصف وجهه، ليضيع النصف الآخر في تلك الأمسية التي سيحضرها عدد من الكتاب أيضاً، والذين لم ينشروا كتاباً واحداً، لينتهي الجميع لمسلمة أن الكاتب الشاب قد استعجل بنشر كتابه، فكان يجب عليه أن ينتظر حتى سن اليأس لنشر نتاج سن الشباب. وهنا يصل كاتبنا الجميل إلى قرار مهم، وهو انه لن يعيد محاولة النشر مرة أخرى، إلا إذا جاءه ناشر معتمد يأخذ منه مخطوطه ليقوم بطباعته ونشره وتوزيعه، ليأتي الناشر ويقدم له في النهاية مجموعة من نسخ كتابه العزيز ومعه مظروف يحوي مبلغاً من المال يساوي حقوق نشر الكتاب، أو نسبة من مبيعات الكتاب, وحتى يتم دعوته من اتحاد الكتاب في هذا البلد أو ذاك لمناقشة كتابه والأفكار التي طرحها، وحتى يتم نقد تحليل هذا الكتاب في الصحف والدوريات دون أن يسمع بذلك إلا من بعض الأصدقاء "هل قرأت ما كتب اليوم في الصحيفة الفلانية عن كتابك..؟!". وطبعاً يكتشف الكاتب أن هذا الحلم بعيد المنال في الوقت الحالي أو أنه يحتاج أن يتحصل على مكاناً تحت الأرض حتى يتم اكتشاف موهبته والاحتفاء به. أما الكاتب الذي بعد سنوات طويلة تنشر مخطوطته التي كتبت في العصر الطباشيري من قبل دار النشر الحكومية، فإن النسخ 3000 التي تطبع ستجدها في مكانها بعد عودة العصر الجليدي القادم، أما مكافأته التي ينص قانون دار النشر على منحها للكاتب، فهو يفقد في سبيل الحصول عليه أسنانه بعد أن فقد وجهه في المرة السابقة. إذا ما هي النهاية، النهاية هي أنك تصل لسن الشيخوخة مبكراً، فقد فقدت أسنانك ووجهك، وينتهي بك المطاف بالموت المفاجئ وأنت تصيح "الهي، قليلاً من الراحة!".

هل هذه الصورة القاتمة، أو ما شئت وصفها، هي حقيقة وضع الكاتب والكتابة بلداننا العربية، قد يكون ما ذكر ليس بالجديد، ولكن أسعى من خلال هذا التعداد الكارثي للمشكلة للوصول لمناقشة المشاكل التي تعترض الظاهرة ، ونريد هنا أن نفتح باب لمناقشة هذه الظاهرة وهذه المشكلة من الأثير، وذلك في محاولة لاستغلال نافذة الشبكة العالمية لمزيد من الاستفادة ولمزيد من إضافة مصداقية أكبر لهذه الشبكة والتي أصبحت تمتلئ يوماً بعد يوم بالبذاءات واللا أدب ومثقفي السوق والمتمرسين في أحقر أنواع الشتائم. إنها فقط محاولة لنقد الذات، ربما

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005