اليزابيث كوستيلو: رواية في قصص

كوتزي كاتب ينتقد بخجل

العرب اللندنية (08-03-2004)

  رواية الكاتب الجنوب أفريقي جاي أم كوتزي تتميز بسبرها لأغوار النفس البشرية الواقعة دائماً في متناقضات الحياة اليومية، هي رواية تنحو إلى التمرد عن طريق الكشف عن مواطن الضعف والأثم بهدوء، ولا يحاول أن يخرجك من عالمك المعزول بقوة الكلمة ولكن بقوة الشخوص التي تحاول أن تصارع الزمان والمكان. ولا تختلف روايته الأخيرة التي صدرت منتصف العام 2003 عن ذلك، اليزابيث كوستيلو هي الشخصية المركزية في هذه الرواية التي استخدم فيها كوتزي تقنية التقطيع بحيث قسمها إلى تسعة نصوص بدت وكأنها فصول لهذه الرواية وإن كان كل نص يمكن أن يكون قصة مستقلة بشخوصها وأحداثها، المشترك الوحيد بينها هو الشخصية المركزية وهي اليزابيث كوستيلو.

  اليزابيث كوستيلو:

   يبدع كوتزي شخصية الكاتبة والروائية المشهورة عالمياً الأسترالية اليزابيث كوستيلو، وهي المشهورة برواية كتبتها في منتصف الستينات بعنوان (بيت بشارع ايكيلس) والتي تسرد فيها حكاية ماريون بلوم زوجة الشخصية المركزية في رائعة الكاتب الأيرلندي جايمس جويس (يوليسيس) والتي لم يذكرها جويس في روايته إلا من خلال مشاهد متفرقة في داخل متن الرواية الطويلة الأحداث، النجاح الذي لاقته رواية كوستيلو جعل من باقي أعمالها التي تلتها مجرد ظلال ولم تلق حضوراً يليق بها وهو ما أدى إلى أن الجميع يتذكر عملها هذا ويمدحها عليه متناسين باقي أعمالها التي لم تكن بذات مستوى روايتها الأولى.

  تنتقل بنا الراوية من خلال شخصية الكاتبة كوستيلو إلى عدة أماكن في العالم فيما يشبه رحلة لاكتشاف ردود أفعال النخب الثقافية لإبداعات الكتاب من خلال حفلات التكريم التي تدعى إليها الكاتبة ومن خلال إلقائها لمحاضرات أمام جموع من المثقفين بجامعات عالمية عريقة ننتقل من موضوع الأدب والواقعية إلى الواقعية في أدب الكاتب فرانس كافكا، إلى التشابه بين المحرقة النازية لليهود والمدافعين عن حقوق الحيوان والنباتيين، إلى الأدب في أفريقيا وغيرها من المواضيع التي تمنحنا إحساسا أن الغرض من هذه الرواية هي سرد آراء الكاتب الأدبية والثقافية للعالم من خلال الخيال والسرد الروائي بلسان كاتبة أيضاً وهو أسلوب أثار جدلاً في تصنيف العمل هل هو رواية أم مجموعة من المقالات والآراء بطريقة روائية غير مباشرة وخاصة إذا علمنا أن الكاتب جاي أم كوتزي من الكتاب الذي قلما يلقون محاضرات علنية حتى أنه لم يعد المحاضرة التقليدية بالأكاديمية السويدية عندما منح جائزة نوبل للآداب العام 2003 وسبق له التغيب عن حفل توزيع جائزة بوكر البريطانية المرموقة في المرتين التي فاز فيهما بالجائزة.

  يشير كوتزي من خلال بعض الهوامش في الرواية إلى أن بعض المحاضرات والنقاشات الثقافية في الكتاب مأخوذة من مقالات ومحاضرات سابقة أعدها في نهاية التسعينات من خلال عمله كمحاضر لمادة الفلسفة والأدب الإنجليزي في عدد من الجامعات الأمريكية والأسترالية والجنوب أفريقية، وهو ما يجعلنا نصاب ببعض الملل في كثير من الأحيان للجرعة الفلسفية العالية في بعض أجزاء الرواية. إلا أن الأسلوب الأدبي المستخدم في الرواية والقوالب اللغوية السهلة الممتنعة التي تعودنا عليها من خلال أعمال سابقة لكوتزي يجعل القارئ مأخوذاً بالأسلوب المتبع في السرد لهذه النقاشات الثقافية العميقة والتي تتراوح بين مواضيع ثقافية عامة مثل الواقعية والشر والحب إلى مواضيع أكثر تعمقاً في مسائل الرواية والإنسانيات في أفريقيا وحقوق الحيوان والنباتين. الراوية ومن خلال هذه النقاشات تدخلنا إلى العالم الذي تعيشه النخب الثقافية في الغرب والمرحلة التي وصلت إليها المؤسسات التي ترعى الثقافة والأدب في الدول المتقدمة، وفي نفس الوقت تحاول أن تنتقد الكثير من هذه المؤسسات وهذه النخب التي تغرق نفسها في قضايا ترفية لا طائل منها وربما هذا ما نصل إليه من خلال القراءة المتأنية لما بين سطور الرواية، أن كوتزي الذي تعودنا على أن ينتقد الظاهرة العنصرية في جنوب أفريقيا من خلال أعمال هامة سابقة، ولكن من خلال السرد الروائي الإبداعي المحض دون أن يجر نفسه إلى المناقشة المباشرة التي تفسد القضية ورسالته كأديب، يمارس نفس الأسلوب في هذه الرواية من خلال انتقاده للحالة الأدبية والثقافية العالمية والأفريقية على وجه الخصوص وهو قادر على أن يعبر عم هذه الحالة من خلال تجربته الشخصية الخصبة في هذا المجال إلى جانب أنه لا يعبر عن آرائه الشخصية إلا من خلال العمل الأدبي والثقافي سواءً أكان هذا العمل رواية أو قصة أو مقالة أدبية. رواية (اليزابيث كوستيلو) والتي وصلت للقائمة الطويلة لترشيحات جائزة بوكر للعام 2003، هي رؤية تجمع ما بين العمل الروائي والمقالة والنقد الأدبي، إلا أنها ليست بمستوى أعمال سابقة للكاتب.

كوتزي:

   جون ماكسويل كوتزي ولد العام 1940 في مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا لعائلة تنحدر من أصول إنجليزية وهولندية، كان والده يعمل موظفاً حكومياً إلا أنه وبعد قيام نظام التمييز العنصري ولمخالفته لإتجاهات الحكومة طرد من عمله فاضطر للتحول إلى الريف في مدينة ورستير. تحصل كوتزي في العام 1960 على شهادة البكالوريوس في الرياضيات واللغة الإنجليزية من جامعة كيب تاون وبعدها في العام 1963 تحصل على شهادة الماجيستير ليسافر على إثرها لبريطانيا للعمل كمبرمج لأحد شركات البرمجة الكومبيوترية وذلك لمدة عام. في العام 1969 تحصل على درجة الدكتوراه في الأدب واللسانيات من جامعة تكساس بمدينة أوستن. وظل يدّرس في الجامعة حتى عودته إلى جنوب أفريقيا العام 1972 حيث عمل كأستاذاً لمادة الأدب الإنجليزي في جامعة كيب تاون. في العام 1984 رحل مجدداً إلى الولايات المتحدة للعمل في جامعة ولاية نيويورك بمدينة بافلو، ثم في جامعة جون هوبكنز العام 1986 والعام 1989، ليعود إلى جنوب أفريقيا العام 1991 بعد أن قضى سنتين في التدريس بجامعة هارفرد. واستمر بالعمل في جامعة كيب تاون حتى العام 2002 حيث انتقل إلى جامعة اديلايد الأسترالية. ويعرف كوتزي بين الأوساط الأدبية والأكاديمية بأنه شخصية انطوائية منغلقة على نفسها.

  يجمع العديد من النقاد على أن كتابات كوتزي الروائية تأثرت بشكل كبير بالكاتب فرانس كافكا، إلى جانب الكاتب فيودر دوستوفسكي بمدرسة ما بعد الحداثة الأوروبية. تأثر كذلك بنمط الحياة في جنوب أفريقيا، وعلى الرغم من أنه كاتب ابيض عاش في فترة نظام التمييز العنصري إلا أنه نما ليكتب بمشاعر معادية للإمبريالية وهو ما بدا واضحاً منذ أولى أعماله التي صدرت العام 1974 بعنوان (أراضي الغسق) والتي ضمت روايتين قصيرتين يقارن فيهما كوتزي الحرب الأمريكية في فيتنام واستكشاف جنوب أفريقيا من قبل الأوربيين. وهي الثيمة التي دأب على تكرارها بأن المعتدين هم نفس الشاكلة من البشر وأن نظام التمييز العنصري التي ابتليت به جنوب أفريقيا قد يحدث في أي مكان في العالم. صدرت بعدها روايته الثانية العام 1977 بعنوان (من قلب البلاد)، ثم (بانتظار البرابرة) العام 1980 والتي منحته اعترافاً عالمياً بموهبته ككاتب، وفي العام 1983 وبصدور روايته (حياة وأزمنة مايكل كاي) تحصل كوتزي على جائزة بوكر المرموقة. في العام 1986 صدرت روايته (العدو) وهي رؤية مغايرة لرواية (روبنسون كروزو) الشهيرة من خلال سرد الأحداث بلسان امرأة. تلتها روايته (عصر الحديد) العام 1990، ثم العام 1994 بصدور رؤيته الخاصة لدوستوفسكي  والتي حملت عنوان (سيد بيترسبيرج). العام 1999 شهد حصوله للمرة الثانية على جائزة بوكر ليصبح أول من يفوز بهذا اللقب مرتين في تاريخ الجائزة عن روايته (العار) والتي تعاملت مع المشاكل التي تواجه جنوب أفريقيا ما بعد حقبة الميز العنصري. من أعماله غير الروائية سيرته الذاتية (زمن الصبا: مشاهد من حياة ريفية) العام 1997 والتي تبحث في سيرة والده الذي تعرض لضغوط نفسية حادة نتيجة طرده من عمله الحكومي والتجائه للريف تلتها تكملة لهذه السيرة بعنوان (شباب) العام 2002. كما أن له العديد من الكتب في المقالة والنقد الأدبي والترجمة عن اللغة الجنوب الإفريقية المحلية الأفركانس واللغة الهولندية. تحصل جاي. أم. كوتزي على العديد من الجوائز من بينها جائزة وكالة الأنباء المركزية الجنوب الإفريقية ثلاث مرات، جائزة بوكر 1983، 1999. وتوجت بحصوله على جائزة نوبل للآداب للعام 2003.

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005