السيطرة أو البقاء:

نعوم تشومسكي يبحث في جذور الإرهاب الأمريكي

العرب اللندنية (18-03-2004)

  يعرف عن المفكر نعوم تشومسكي دراساته المتوالية حول الديمقراطي والسيطرة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية وهو من أكثر المفكرين الأمريكيين انتقاداً لسياسات بلده بالخارج والداخل وهو ما يجعله دائماً محط أنظار المثقفين في أمريكا وأوروبا لما يكتبه عن أهم الأحداث على الساحة العالمية. كما أن أستاذ علم اللسانيات بمعهد ماساشوستيس للتقنية MIT ببوسطن لديه العديد من المؤلفات التي تدور حول سيطرة الدولة على وسائل الإعلام والطرق التي تتبعها لتحريك الرأي العام تجاه القضايا الملحة والتي تحتاج إلى اتخاذ قرارات سريعة وجذرية. في كتابه الجديد الصادر مطلع هذا العام بعنوان (السيطرة أو البقاء: مسعى أمريكا للسيادة العالمية) يركز نعوم تشومسكي حول السؤال الذي أثارته الإدارة الأمريكية الجديد بوضعها مبدأ (الخير والشر) ومبدأ (من ليس معنا فهو ضدنا) وهي السياسات التي كانت محصلة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ومن ثم يستقرئ تشومسكي الحرب الأمريكية للسيطرة العالمية لسلطة القرار واللجوء للقوة متى ما تشأ وذلك من خلال الحرب على الإرهاب في أفغانستان والتوابع والذرائع التي اتخذت على ضوئها الحرب على العراق. الكتاب تم انتقاده لمحاولته فرض وجهة نظر اليسار الأمريكي الذي ينتمي إليه نعوم تشومسكي ويعتبر من أهم منظريه والمتمثلة في انتقاد النتائج دون السعي لإيجاد حلول بديلة تساهم في الخروج من الحلقة المفرغة لديمقراطية القلة التي تمارس في الغرب وبالأخص في الولايات المتحدة. هنا نعرض لترجمة من مقدمة الفصل الأول من الكتاب في محاولة لمقاربة اكثر موضوعية لما يطرحه الكتاب من آراء.

الفصل الأول

الأولويات والتوقعات

   قبل بضعة سنوات، نشر أحد أكبر رموز علم الأحياء المعاصر، ايرنست ماير، بعض الرؤى حول احتمالية النجاح للتوصل إلى وجود كائنات ذكية خارج الأرض. أعتبر أن التوقعات ضعيفة جداً. اعتمدت فكرته على التكيف مع معنى ما نقصد أن نطلق عليه "الذكاء المتطور،" الذي يعني شكل إنساني محدد للتنظيم الذكي. حدد ماير عدد الفصائل منذ تكون الحياة قبل حوالي 5 مليارات سنة، فتوصل إلى أن واحدة فقط "استطاعت أن تحقق نوع من الذكاء اللازم لإقامة حضارة." وهذه الفصيلة وصلت لذلك منذ وقت قريب، ربما 100,000 سنة مضت. ويعتقد بشكل عام أن نوع واحد صغير فقط استطاع أن يستمر بالحياة، والذي ننحدر نحن منه.

يفترض ماير أن النوع البشري من الذكاء المنظم لم يتم تحبيذه بالاختيار. إن تاريخ الحياة على الأرض، كما يكتب، يفند الإدعاء بأنه "من الأفضل أن تكون ذكياً من أن تكون غبياً" فعلى الأقل من خلال الحكم بالنجاح الحيوي: الخنافس والبكتيريا، على سبيل المثال، انجح بشكل أوسع من البشر على أساس البقاء. كما أنه توصل إلى ملاحظة كئيبة بأن " معدل الحياة المتوقعة لفصيلة ما حوالي 100,000 سنة". نحن ندخل مرحلة من تاريخ البشرية ستمنحنا إجابة عن سؤال هل من الأفضل أن تكون ذكياً من أن تكون غبياً. ما يؤمل توقعه أن لا يتم الإجابة عن هذا التساؤل: لأنه إذا توصلنا إلى إجابة نهائية، فإن الرد سيكون فقط أن البشر شكل من "الخطأ الحيوي"، مستغلين المائة ألف سنة المسخرة لهم لتدمير أنفسهم وفي الطريق إلى ذلك أشياء أخرى كثيرة.

الفصيلة قد طورت بالتأكيد القدرة على فعل ذلك، والكائن الغير أرضي المفترض والمتابع للأحداث قد يتوصل إلى نتيجة مفادها أن البشر قد عبروا عن هذه القدرة خلال تاريخهم، بشكل مأساوي خلال بضعة مئات من السنين التي مضت، إضافة إلى الاعتداء على البيئة التي تحافظ على الحياة، وعلى التنوع لكائنات أكثر تعقيداً، وبوحشية باردة ومحسوبة، على بعضهم كذلك.

قوتان عظميان:

العام 2003 فتح العديد من المؤشرات أن القلق بشأن بقاء البشر كانت كلها أكثر من واقعية. لذكر بعض الأمثلة، في مطلع خريف العام 2002 علمنا أنه بالكاد تم تجنب حرباً نووية محتملة قبل أربعين سنة مضت. مباشرة وبعد هذا الاكتشاف المروع، منعت إدارة بوش جهود الأمم المتحدة لحظر تسليح الفضاء، الخطر الحقيقي للحياة. كما أن الإدارة أوقفت المفاوضات الدولية لمنع الأسلحة البيولوجية وتحركت لتأكيد حتمية الهجوم على العراق، بالرغم من المعارضة الشعبية التي لم يسبق لها مثيل.

حذرت مربعين سنة مضت أربعيت   ترىرىلللللانظمات إنسانية ذات خبرة واسعة في العراق ودراسات بواسطة منظمات طبية محترمة أن الغزو المخطط له قد يؤدي إلى كارثة إنسانية. التحذيرات تم تجاهلها من قبل واشنطن ولاقت القليل من الاهتمام الإعلامي. كما توصل فريق مهام أمريكي عالي المستوى إلى أن هجوماً بأسلحة الدمار الشامل على الولايات المتحدة "ممكن" وسيصبح أكثر إمكانية في حالة قيام الحرب على العراق. عدد من المتخصصين ووكالات المخابرات أصدرت تحذيرات مشابهة، مضيفة أن حرب واشنطن، ليس في حالة العراق وحسب، يزيد التهديد الدولي على المدى البعيد للإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل. هذه التحذيرات تم تجاهلها كذلك.

في سبتمبر من العام 2002 أعلنت إدارة بوش عن استراتيجيتها للأمن القومي، والتي أقرت الحق لاستعمال القوة للقضاء على أي تحدي معلن للسيطرة الأمريكية العالمية، والتي أصبحت دائمة. الاستراتيجية الضخمة الجديدة أثارت قلقاً عميقاً عالمياً، حتى بين نخبة السياسة الخارجية بالداخل. في سبتمبر كذلك، تم إطلاق حملة دعائية لتصوير صدام حسين كتهديد وشيك للولايات المتحدة وللتلميح أنه كان مسؤولاً عن جرائم الحادي عشر من سبتمبر وأنه كان يخطط للمزيد. الحملة والتي تزامنت مع انطلاق انتخابات الكونجرس النصفية، كانت ناجحة بشكل كبير لتغيير المواقف. فقد حركت الرأي العام الأمريكي بعيداً عن المستوى العالمي وساعدت الإدارة لتحقيق أهداف انتخابية ووطد العراق كحالة اختبار ملائمة للمبدأ المعلن الجديد للجوء للقوة متى ما تشأ.

الرئيس بوش ومساعديه استمروا كذلك بإحباط الجهود الدولية للتقليل من الخطر على البيئة المعروفة بحدتها، بذرائع بالكاد اخفت إخلاصهم لقطاعات ضيقة للقوى الخاصة. برنامج الحكومة لعلم التغير المناخي (سي سي أس بي)، كتب رئيس تحرير مجلة (ساينس) دونالد كينيدي، هو محاكاة مضحكة "لم تتضمن أية توصيات للحد من الإنبعاثات أو أي من أشكال التلطيف" مقنعة نفسها "للأهداف التقليلية الإرادية، والتي حتى وإن تم تحقيقها، ستسمح باستمرار معدلات الإنبعاث للولايات المتحدة بالنمو بما يقارب 14% كل عشرة سنوات" برنامج علم التغير المناخي لم يضع في اعتباره حتى الاحتمالية، المقترحة من قبل "عدد كبير من الأدلة المتزايدة" بأن التغيرات الحرارية قصيرة المدى التي تتجاهلها "ستثير عملية مفاجأة" تنتج تغيرات حرارية دراماتيكية قد تجلب خطر حاد للولايات المتحدة، أوروبا، ومناطق أخرى. إن التجاهل المزدري من قبل إدارة بوش للتعامل المتعدد لمشكلة ارتفاع الحرارة العالمي، يتابع كينيدي، هو الموقف الذي بدأت منه الصداقة الطويلة والمتواصلة في أوروبا بالتصدع" مما أدى إلى "الاستياء المستكين".

مع أكتوبر من العام 2002 أصبح من الصعب تجاهل حقيقة أن العالم غدا "قلقاً أكثر من الاستخدام غير الملجم للقوة الأمريكية من.... الخطر الذي يشكله صدام حسين" و"نية الحد من قوة العملاق كما... في تجريد الطاغية من أسلحته" فإن قلق العالم ارتفع في الأشهر التي تلت، فلقد أبدى العملاق نيته بشكل واضح للهجوم على العراق حتى في حالة فشل لجنة التفتيش بالأمم المتحدة والتي تحملتها بصعوبة لإيجاد الأسلحة التي ستوفر الذريعة. مع ديسمبر، فإن الدعم لمخطط حرب واشنطن بالكاد وصل إلى 10% فيما يقارب كل مكان خارج الولايات المتحدة، وذلك حسب استطلاعات دولية. بعد ذلك بشهرين، وبعد احتجاجات ضخمة عالمياً، سجلت الصحافة "أنه ما يزال هناك في الكوكب قوتين كبريين: الولايات المتحدة والرأي العام العالمي" ("الولايات المتحدة" هنا تعني قوة الدولة، وليس الجمهور أو حتى رأي النخبة).

مع مطلع العام 2003، بينت الدراسات أن الخوف من الولايات المتحدة وصل إلى مستويات عالية غير مسبوقة حول العالم، إلى جانب عدم الثقة بالقيادة السياسية. صرف النظر عن الحقوق والمتطلبات الأساسية للإنسان تم تسويته بإبداء الازدراء للديمقراطية والتي لا يتوازى معها شيء قد يتبادر للذهن، مصحوباً بمحترفين ذوي تفانٍ مخلص لحقوق الإنسان والديمقراطية. الأحداث المتتابعة يجب أن تكون مزعجة بشدة لأولئك الذين لديهم قلق على العالم الذي سيتركونه لأحفادهم.

على الرغم من أن مخططي إدارة بوش هم في النهاية المتطرفة للطيف السياسي الأمريكي التقليدي، فإن برامجهم ومبادئهم لديها العديد من النذر، في التاريخ الأمريكي ومن خلال قوى عالمية طموحة سابقة. بتشاؤم أكبر، فإن قراراتهم قد لا تكون منطقية من داخل بناء الفكر السائد والمؤسسات التي تجسدها. هناك سوابق تاريخية مسهبة لرغبة القادة للتهديد أو اللجوء للعنف في مواجهة خطر كارثي مهم. ولكن الاحتمالات عالية جداً اليوم. الخيار بين السيطرة والبقاء كان نادراً، إن لم يكن أبداً، متموضع بشكل صارم.

دعونا نحاول أن نبين بعضاً من الخيوط التي تدخل في تركيب هذا النسيج المعقد، مركزين انتباهنا على القوة العالمية التي تدعي السيطرة العالمية. إن أفعالها ومبادئها الموجهة يجب أن تكون ذات اهتمام رئيس لكل شخص على الكوكب، خاصة بالطبع، للأمريكيين. العديد يتمتعون بالحرية بمزايا غير عادية، وبالتالي القدرة على تشكيل المستقبل، ويجب أن يواجهوا باهتمام المسؤوليات التي هي النتيجة المباشرة لمثل هكذا امتياز.

منطقة العدو:

أولئك الذين يريدون أن يواجهوا مسؤولياتهم بعزيمة حقيقية من أجل الديمقراطية والحرية وحتى من أجل ضمان البقاء يجب أن يعترفوا بالعوائق التي تقف في طريقهم. في حالات حرجة هذه الأشياء ليست خافية. العوائق في مجتمعات أكثر ديمقراطية هي أكثر دقة. بينما تختلف الطرق بحدة من المجتمعات الأكثر همجية إلى الأكثر حرية، فإن الأهداف في العديد من الطرق متشابهة: من أجل ضمان أن "الوحش الضخم" كما أطلق الكسندر هاملتون على الجماهير، لا تحيد عن طريقها الصحيح.

السيطرة على الجماهير بالعموم كان دائماً اهتمام أساسي للسلطة والامتياز، وخاصة منذ أول ثورة ديمقراطية معاصرة في القرن السابع عشر بإنجلترا. المصطلح الذي يشرح نفسه "الرجال ذوي المنزلة الأفضل" كانوا مروعين "كحشد مستهتر لوحوش في أشكال رجال" رفضت البناء الأساسي للأزمة الأهلية المستعرة بإنجلترا بين الملك والبرلمان وطالبت بتشكيل حكومة " من أبناء البلاد مثلنا نحن، الذين يعرفون احتياجاتنا" وليس من " فرسان أو نبلاء يعدون قوانين لنا، تم اختيارها للتخويف وليس لها وظيفة سوى اضطهادنا، ولا تعرف آلام الشعب" الرجال ذوي المنزلة الأفضل اعترفوا أنه إذا كان الشعب "منحرف وفاسد بدرجة" لكي "يفرض سلطته وثقته على رجال أشرار ولا يستحقون، فإنهم يصادرون سلطتهم على هذا الأساس لمن هم أفضل، ولكنهم قلة" ما يقارب الثلاثة قرون بعد ذلك، فإن مثالية ويلسون، كما يصطلح عادةً عليها، تبنت موقف مشابه تقريباً. ففي الخارج، فإنه من مسؤولية واشنطن أن تضمن أن السلطة هي بأيدي "الخيرين (الأفضل) ولكن القلة" في الداخل، يتوجب الدفاع عن نظام النخبة في صنع القرار والتصديق الشعبي "دولة التعدد" في مصطلحات العلوم السياسية وليس الديمقراطية.

(السيطرة أو البقاء: مسعى أمريكا للسيادة العالمية) نعوم تشومسكي 2004

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005