سقوط لا بد منه...

لم أبكِ، آثرت الصمت على أن أكون مثل الباقين، الجميع حاول أن يحملني على البكاء، فالدليل الأول على صحة المولود هو بكاؤه، ربما لم يعجبني أن أزعج أمي مطلع فجر 29 من نوفمبر العام 1975، لذا صمت خجلاً، قيل أنني كنت هادئاً في الأيام الأولى، ربما لم أرد أن أفسد فرحة أسرتي بقدومي إلى جانب إنتقالنا إلى بيتنا الجديد الذي أتم أبي بناءه في منطقة السياحية غرب مدينة طرابلس الغرب، بعد أن أمضي أبي وأمي ومن ثم أختي خمس سنوات في شقة بمنطقة القبة بباب البحر المتاخمة لسور المدينة القديمة الشمالي. لكنني بدأت الإحتجاج ولم أغلق فمي إلا بعد أن أكتشفوا أن ما سيسكتني هو ما نسميه في ليبيا (الزلباحة) أو اللاهية، والتي لم أتخلى عن خداعها لي بأن الأمور في هذا العالم على يرام حتى تجاوزت العام الثالث من عمري. لا يمر بذاكرتي الكثير من تلك الفترة المبكرة من عمري، ربما ما أتذكره هو استلقائي على أرض وسط البيت ملعلعاً بالبكاء طالباً أبي أن يأتي بعد أن حمل حقيبته ومضى في إحدى رحلات سفره إلى ما وراء الأفق. أو ربما صورة جدي وهو يغمس لي قطعة عجين البازين في اللبن لأكلها وأنا أقارن بين لون بياض اللبن وبياض لحيته الخفيفة وقبعته البيضاء. وما أن وصلت الرابعة حتى وجدت أن لا شيء يستحق البكاء، سوى تركي لوحدي في مكان لا يعرفني فيه أحد.

سقوط أول...

صورتها وهي تتركني على باب روضة الأطفال، موصية علي العجوز المتلفع بجرده والمستند على عكازه الغليظة، ما أن مضت تقود السيارة حتى، نظرت حولي ولم أجد من أعرفه ولم أجد من يعرفني، مرتدياً مريولي الأبيض وشريط أزرق مربوط حول عنقي، أجهشت بالبكاء، ولا أتذكر اكثر من ذلك عندما ذهبت وأنا في الرابعة من عمري إلى أول أيامي لروضة الأطفال. ما تبقى من تلك اللحظة ما يزال يلاحقني حتى الآن، كلما وجدت نفسي أضع قدمي على عتبة بداية جديدة، ما زلت أتوه لبعض الوقت، محاولاً الهروب من التعرف على الآخرين، فلم أعتد أن أمضي أكثر من عامين في المدرسة نفسها عدا المرحلة الثانوية، لذا كان كل أول يوم في المدرسة يشابه أول يومي في الروضة، نفس الطعم ونفس الرائحة تتملكني، إلا أنني لا أجهش بالبكاء، فهذا شيء تعلمت التخلي عنه لصالح طرق أخرى للهرب من غربتي في أمكنتي الجديدة.

سقوط الأمكنة...

كثيراً ما أذكر من باب الدعابة أنني لم أدرس الصف الأول الإبتدائي، ففي آوائل العام 1981 أنتقلنا إلى مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية ونظراً لعدم توفر مدرسة عربية بالمنطقة أضطررت إلى أن أمضي ذلك العام بين المدرسة الأمريكية ودروس أمي المنزلية لمنهج الصف الأول، مع نهاية العام 1982 انتقلنا إلى لندن ببريطانيا وتابعت دراستي بالصف الثاني والثالث بالمدرسة الليبية في منطقة تشيلسي، نفس المدرسة التي دخلتها العام 2004 بعد عشرين عاماً لأجدها كما هي حتى صورة الفارس فوق حصانه المعلقة بالملعب الداخلي ما تزال في مكانها، محل الآلعاب القريب ما يزال بمكانه، كنت أقفز من السور القصير للوصول إليه قبل قدوم أمي للعودة بي إلى البيت، وتمضية بعض الوقت بين الألعاب والسيارات الصغيرة والتي مازلت حتى الآن أنظر إليها بشغف طفولي كلما دخلت محال اللعب وأتذكر أن صاحب المحل لم يكن يمانع لعبي، لأعود إلى المدرسة قبل قدوم أمي لأخذي.

سقوط رومانسي...

كانت تدرس معي بمدرستي الإبتدائية الثالثة بمنطقة قرقارش بطرابلس، كانت تلك أول مغامرة عاطفية لي، لم تكن جادة، ربما كان مجرد نزق طفولي مع بعض التواطؤ من قبل بعض الأصدقاء، لا أتذكر الكثير عنها، فقط وجهها الطفولي بشعرها الأسود القصير وأسمها المشابه لرائحة الزهور، وحتى الآن أجدني استفز بإمرأة بوجه طفولي وشعر قصير، حاولت أن أقترب منها، إلا أن الشعور بقي دائماً من طرف واحد، وهو ما طبع علاقاتي العاطفية التي تلاحقت في السنوات التالية، أو بالأحرى سقوطاتي الرومانسية التي رسبت فيها جميعاً. كنت أحاول أن أعبر عن مشاعري الطفولية لها بكتابة رسائل لم تصل لها أبداً، كنت أقلب مكتبة أبي الضخمة لأنبش أي شيء يعينيني، حتى عثرت على مجلد الأعمال الكاملة للشاعر نزار قباني، كنت أخطف الكتاب الثقيل وأختبيء في أحد أركان حديقة البيت، أطالع بسرعة قصائده الجريئة، ناقلاً بعض الأبيات على ورقة، بِنيّة أن أرسلها إليها وهو ما لم يحدث أبداً، وإلى الآن أتساءل ما كان مصير تلك الرسائل، وبذلك تعلمت أن أعيش لحظاتي الرومانسية وحيداً، معبراً عنها بالحبر على أوراق، مازلت أحتفظ بها بلا فائدة.

سقوط صنوبري...

رائحة أشجار الصنوبر تختلط برطوبة الليل مع رائحة الدخان المنبعث من الموقد الحطبي، بعض الدفء يعتريني محاولاً أن أمنع نفسي من النوم وأنا أحرس المخيم، ليلة أخرى تمضي في المخيم الكشفي بغابة جوددائم غرب طرابلس، أو في غابة هذا العالم الذي نحياه كل يوم. منذ أن أنضممت إلى الكشافة الليبية في الثالثة عشر من عمري العام 1988 وأنا ما أزال أحمل الكثير مما تعلمته في الحياة بالمخيمات والأنشطة الكشفية. وحتى في هذه الغربة المستمرة التي أعيشها ما يحملني على مواصلة المسير هو احساسي بأنني أخوض مخيماً جديداً أو تحدي جديد لإختبار قدرتي على التحمل. لكن تبقى رائحة الصنوبر وملمس أوراقه الأبرية أو التصاق صمغه العنيد بالملابس تمنحني سلاماً غريباً، سلام مختلط بحزن مقدس ومريح. البعض لا ينظر إلى تجربته بالكشافة بهذه الصورة الحالمة، والبعض الآخر قد ينكر أي أهميه لها في تكوينه الشخصي، ولكن لولا أشجار الصنوبر والنوم على الأرض تحت الخيام لكنت كتلة قبيحة لن أطيق العيش معها.

سقوط حتمي...

منذ زمن لا أعلمه ولا أحصيه، لم أرى نفسي في مخيلتي سوى وأنا أرتدي المعطف الطبي الأبيض، في مرحلة مراهقتي بينما كان أقراني يلعبون في الشارع يدحرجون كرة القدم، أو يكسبون المزيد من الكرات الزجاجية في لعب (البطش) أو في صراع الخذروف (الزرابيط) أو تصليح عجلات دراجاتهم، وأحياناً الشجار الصبياني، كنت اتلف ملابسي بما يسقط عليها من مواد كيميائية في معملي الصغير أو في إصابة أصابعي بالخدوش من جراء تفتيتي للأجزاء الألكترونية لجهاز مستهلك، ولكن رغم هذا كله ورغم شغفي والذي ما يزال مستمراً بالفيزياء والطبيعة، إلا أنني لم أجد نفسي إلا في الطب. الطب الذي كان في حلماً في فترة مراهقتي وما أجتزت المرحلة الثانوية العام 1993 ودخولي لكليتها في نهاية نفس العام حتى بدأت مساحة الحلم تتلاشى أمام مساحة الواقع. حتى هذه اللحظة مازلت أتسأل لما أخترت هذه المهنة؟، ولا أجد اجابة قد تكون كافية سوى أن المسألة قد تكون قدرية وحتمية أكثر من كونها اختيارية. لذا مازلت أعتقد ومعي الكثير من الزملاء أن الطب يبدأ حلماً ليصبح واقعاً حالماً، ليتحول بعد وقت قصير من التخرج إلى واقعاً هزلياً، حتى تكتشف بعد فوات الآوان أنه كان مجرد لعنة قد تعيننا للوصول إلى رحمة تغشانا في عالم آخر.

سقوط الكلمة...

على عكس ما حدث مع حياتي الطبية، فالكتابة بدأت بدون أي سبق اصرار أو ترصد، بدأت دون أن تعلن عن وجودها، أحياناً أتسأل متى بدأت، واكتشف أنني لا أستطيع تحديد ذلك، ما أتذكره أنني في أحد الامتحانات النهائية للسنة الثانية بالثانوية كتبت أول قصة قصيرة في امتحان الانشاء والتعبير، وفي أحد الأيام من نهاية العام 1994 وجدتني أبحث عن الخلاص من خلال الورقة البيضاء والكلمات التي تلاحقت من العدم. وبعكس الطب كذلك، بدأت الكتابة واقعاً أقرب إلى الصدف العبثية منه إلى الحتمية، وتوالت إلى أن اصبحت الآن حلماً للوصول إلى لحظة لا تشابه الواقع المعاش، طريقة للتعبير عن حياتي العادية، لتبدو خارقة أو حتى لا أبالغ حتى تبدو لي على الأقل أنها تستحق أن أبدأها من جديد وأعيشها. لذا ما زلت كلما حاولت الوصول إلى تحقيق هذا الحلم، وجدته يبتعد مسافة الأفق، وهو ما يجعلني جاداً لتتبع هذا الوهم حتى النهاية ولكنني أصر في نفس الوقت على أن اقنع من حولي أنني أواصل الكتابة لأنني أريد أن أبدو حياً في وسط موت بشع يحيط بنا أو ما عبرت عليه في قصصي الاستمرارية، استمرارية الشهيق الزفير التي لا تعني الحياة ولا تنفي الموت كذلك.

سقوط أرعن...

اقترب بخطى محتجة إلى العقد الرابع من عمري، أقف وسط حجرتي الصغيرة في بيت يقع بشرق مدينة لندن وكعادتي البلهاء استمر في اللعب بإشارات الاستفهام دون نية مسبقة للحصولة على أجوبة، وادفع عن نفسي فرضية أن يأتي يوم يجعلني أنظر إلى صورتي -التي لم تتغير منذ عقد- في المرآة مخاطباً نفسي، لماذا أتيت بي إلى هذا الشمال؟ ما الذي تريده من كل هذا الطموح الأرعن؟ لأكتشف أن كل السقوطات السابقة في حياتي يمكنني أن أنظر لها بصورة ايجابية دون تحديد الإتجاه، ولكن هذا السقوط الذي أعيشه الآن سيحتاج مني أن انتظر بعض الوقت حتى أصل إلى قاعه أو قمته لا فرق، لأعرف إن كنت ساضطر إلى أن انتشل نفسي أو أن اتابع سقوطاً آخر...

لندن انجلترا

18/10/2005

 

 الرئيسة - لحظة السقوط - سرد - صور - مقالات - امتدادات - تواصل

 جميع الحقوق محفوظة لموقع امتداد الكاتب غازي القبلاوي 2003 - 2005